من يهودية إسرائيل إلى أسرلة القدس

السبت 2017/12/09

بقرار الولايات المتحدة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، تنتقل واشنطن من موقع الوسيط الدولي المنحاز لإسرائيل ضمن مسار التسوية في فلسطين إلى طرف في معادلة الصراع على فلسطين.

لم يتردّد دونالد ترامب في إعلان القرار الأحادي، الذي سبق ووعد به جمهوره خلال حملة الانتخابات الرئاسية الماضية، ووحدهم رجال السلطة حول أبومازن تفاجؤوا بالقرار الترامبي بعد أن خاب رهانهم على ضغط أوروبي للتراجع في آخر لحظة.

وعوضا عن العمل الفلسطيني والعربي على إقناع واشنطن بضرورة سحب قرار الكونغرس بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس الصادر منذ 1995، بقي الفاعل الرسمي الفلسطيني مكتفيا بسقف قرارات تأجيل التوقيع المستمر منذ حقبة بيل كلينتون مرورا بجورج بوش الابن وباراك أوباما وانتهاء بترامب.

لم يستشعر الفلسطينيون حقيقة أن البيت الأبيض بصيغته الحالية يمثل “يمينا صهيونيا متطرفا” أكثر تطرفا من اليمين الإسرائيلي بأشواط، ذلك أن رباعي ديفيد فريدمان سفير واشنطن في تل أبيب وجيسون غرينبلات الموفد الأميركي الخاص بالشرق الأوسط، وجاريد كوشنير صهر ترامب، والمستشار مايك بينس، يشكّل مطبخا للقرارات والتصورات الأميركية المتماهية مع مقولات أمن وتفوق إسرائيل في كافة منطقة الشرق الأوسط.

ولئن لم يؤسس الفلسطينيون حلولا وبدائل حقيقية لانتشال الوضع السياسي الفلسطيني من حالة الاستعصاء والشلل المؤسساتي والعجز التام، فإن الخطوات القادمة لن تكون أقل إيلاما وخطورة من قرار الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن ترامب يتجه بشكل واضح نحو إعلان نهاية حل الدولتين وتقويض مبدأ الأرض مقابل السلام، ليعلن في المقابل إعلان “الدولة والنصف” ومبدأ تبادل الأراضي أو السلام مقابل السلام.

يتكامل قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل، مع قرار الرئيس السابق باراك أوباما بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، فالأول يشرع الاحتلال والثاني يشرع للاستيطان عبر صبغه بطابع ديني، والأول يشرع للسيطرة على الجغرافيا والتاريخ والثاني يؤصل للتطهير العرقي والاثني.

يتكامل القرار الترامبي مع قرار أوباما، القاضي بالاعتراف بحق إسرائيل في الاستيطان بالضفة الغربية والقدس الشرقية مع المحافظة على كافة حقوقها القاضية بالنمو الطبيعي للمستوطنات، الفرق الوحيد أن الأول لامس المقدس والتاريخي المحمل بالكثير من الرمزيات والمحددات، فيما الثاني ضرب التاريخ والجغرافيا بعد أن فعل الزمن في الثورة والثوار مثلبة النسيان الناعم والمخاتل والمخادع.

وعند الجمع بين مدونة الاعترافات الأميركية من أوباما إلى ترامب نتبين أن المقولة الكبرى باتت الاعتراف الأميركي بإسرائيل دولة يهودية وعاصمتها القدس وذات سياسة استيطانية رسمية، وكما أن الاعتراف بكل هذه المكونات كان صعب المنال في ولاية رئاسية واحدة لساكن يتيم للبيت الأبيض، فقد كان التقسيم بين ولايتين لرئيسين واحد ديمقراطي والثاني جمهوري، أو هكذا يخيّل لنا.

هكذا تشكل إسرائيل ثلاثية الأبعاد السياسية والاستراتيجية التي تبتغي، فهي تقوض عودة اللاجئين إلى ديارهم بيهودية الدولة وتفرض على عرب الداخل مبادئ الأسرلة بذات الفكرة، وتشرع تهويد بيت المقدس ومدينة القدس عبر إعلانها عاصمة للدولة، وتضم المساحات الكبرى من الضفة الغربية إلى “الدولة” عبر اقتلاع قبول أميركي بحق إسرائيل في بناء المستوطنات.

على مدى سنوات التسوية والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، يحق للفلسطيني أن يتساءل عن الحقوق التي انتزعها والتي نالها من خلال محطات الحوار والتي تؤرخ من حوارات مدريد 1991 إلى يوم الناس هذا، ومن حقه أيضا أن يستفسر عن الحلقات التالية من مسلسل ابتلاع إسرائيل للتاريخ والجغرافيا الفلسطينية.

إن كان من بد للتسوية السياسية مع إسرائيل، باعتبارها الحل الاستراتيجي والنهائي والوحيد كما تردد السلطة الفلسطينية دائما، فلتكن تسوية برعاة جدد من خلال تقوية حضور الرباعية الدولية ودعم الدور الروسي وباستدرار للفاعل الأردني الذي بات اليوم في خضم التجاذب سيما وأن الخطوة الترامبية تهدد الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8