هل باع ترامب لإسرائيل الهواء

الاثنين 2017/12/11

هذا السؤال طرحه محللون إسرائيليون، انطلاقا من أن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لبلادهم ليس جديدا، وإنما تم عام 1995 ولكنه بقي حبرا على ورق، نظرا إلى أن جميع الرؤساء الذين تداولوا على البيت الأبيض في ما بعد رفضوا تنفيذ القرار، وبالتالي لم يتجرّأ أيّ منهم على نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وعندما أعلن الرئيس دونالد ترامب الأربعاء الماضي، قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كان يقرّ أمرا سبقه إليه الكونغرس الأميركي الذي صدّق في 23 أكتوبر 1995 على قانون يسمح بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأعطى الحرية للرئيس بالتوقيع عليه لإقراره.

وقد أعطى القانون الرئيس الأميركي سلطة تأجيل تنفيذه لمدة 6 أشهر، وإحاطة الكونغرس بهذا التأجيل، وهو ما دأب عليه الرؤساء الأميركيون المتعاقبون منذ عام 1998، ويجد ترامب اليوم مجالا لتجميد قراره إذ، ووفق القرار السابق، “يجوز للرئيس أن يعلق هذا القيد لستة أشهر أخرى في نهاية أي فترة يكون فيها التعليق ساري المفعول بموجب هذا البند الفرعي إذا قرر رئيس الكونغرس إبلاغه مسبقا بأن التعليق الإضافي ضروري لحماية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة”.

يقول البعض إن الإدارة الأميركية الحالية تجد نفسها أمام اختبار تاريخي، وهذا صحيح إلى حدّ بعيد، ويكاد يصل إلى التأكيد على أن السفارة الأميركية لن تنتقل إلى القدس، بينما حقق الرئيس ترامب الهدف من إعلانه الأخير، حيث أثبت للوبي الصهيوني في بلاده أنه لم ينكث بما وعد به خلال حملته الانتخابية، وأنه يستحق منه الدعم في مواجهاته المفتوحة مع مناوئيه.

في عام 1949 أعلن دفيد بن غوريون القدس عاصمة للكيان الوليد، وفي عام 1967 وضعت إسرائيل يدها على كامل المدينة المقدسة، وفي 30 يوليو 1980 سنّ الكنسيت “قانون أساس: أورشليم القدس عاصمة إسرائيل” لتضمين الإعلانات الحكومية الإسرائيلية تأكيدا عن مكانة القدس كعاصمة إسرائيل وضم شرقي القدس إلى إسرائيل قانونا أساسيا، أي مبدأ دستوريا، ما أدّى إلى صدور قرار ضد إسرائيل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدعو إلى نقل بعض السفارات الأجنبية لدى إسرائيل والتي كانت موجودة في القدس إلى تل أبيب أو مدن إسرائيلية أخرى احتجاجا على القانون.

وبينما تحتضن القدس عددا من المؤسسات الإسرائيلية ومنها رئاسة الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا، لا يزال القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن في 20 أغسطس 1980 يعتبر الإجراءات الإسرائيلية في القدس خرقا للقانون الدولي ويمنع عن الدول نقل سفاراتها إلى المدينة المقدسة.

ولكن هل تخترق واشنطن القانون الدولي وتقوم بنقل سفارتها إلى القدس؟ عمليا لن تفعل ذلك رغم قرار الأربعاء، ويمكن البناء على موقف ترامب لما يفيد القضية في ظل سياقات تدفع بقوة نحو توافقات لتحقيق السلام في المنطقة، فقد ذكر ترامب في كلمته أنه يدعم خيار الدولتين لشعبين. وهنا يقول محللون إسرائيليون إذا كان ترامب يريد تعزيز السلام بين إسرائيل والفلسطينيين من أجل تخليد اسمه في صفحات التاريخ، فإنه سيفرض تنازلات مؤلمة على إسرائيل.

ففي نوفمبر الماضي كتبت صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة ترامب تريد حل الدولتين، ومن بين أمور أخرى ستشمل تحركات ترامب إشارة إلى القدس والمستوطنات، فضلا عن إعادة تنظيم الضفة الغربية حتى تتمكن السلطة الفلسطينية من السيطرة على المزيد من المناطق، وأكدت “إن ترامب يعتزم أن يقدم للفلسطينيين دولة، ولكن في ظل ظروف مختلفة عما كان عليه الحال في الماضي، جنبا إلى جنب مع اقتراح اقتصادي واسع النطاق”، ويبدو أن الحل المنتظر هو قيام دولة فلسطينية على أن تحافظ إسرائيل على نوع من الوصاية الأمنية والعسكرية في إطار اتفاقيات مضمونة دوليا.

وتعمل إدارة ترامب سرا على إقناع عواصم عربية بالتدخل للضغط على الفلسطينيين مقابل المساهمة الفعلية في تمويل بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، وكذلك للتطبيع الكامل بين العرب و إسرائيل بعد التوصل إلى الاتفاق النهائي.

هل باع ترامب لإسرائيل الهواء؟ الواضح أنه ألقى حجرا في المياه الراكدة، وهو وإن كان قد قرر نقل سفارة بلاده إلى القدس إلا أن قانون الكونغرس يعطيه إمكانية التنصل من تنفيذ قراره، بينما ستكون أمامه فرصة للوصول إلى مشروع السلام الذي يحتاج إليه الجميع، والذي سيعيد ترتيب أوراق المنطقة أمام تحديات أخرى كثيرة.

كاتب تونسي

9