ديسمبر 12, 2017

الإليزيه يطرق أبواب فلسطين

أكد الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب السبت الماضي، أنه بالعنوان السياسي اجتماع عادي لا يرقى إلى مستوى الحدث، وبأنه بالاستحقاقات العربية لقاء المأزومين عندما يستفيق الفاعل الرسمي العربي على ورطة وضع كل بيضه السياسي والاستراتيجي في السلة الخطأ.

اللافت أن السلطة الفلسطينية ممثلة في المستشار نبيل شعث وبعض القيادات الأخرى أبرقت برسائل “تحفظ سياسي” للمنتظم العربي قوامه أن الحدث بعمقه ودلالاته وتداعياته يستدرّ قرارا لا بيانا، ويفرض إجراءات وخطوات تطبيقية لا تذكيرا بالمبادئ التي قامت عليها مسيرة التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

ولئن جاء اجتماع وزراء الخارجية العرب بسقف سياسي جدّ متواضع، فلا مؤشرات ترجح بأن يأتي اجتماع دول التعاون الإسلامي بغير ما أتى به المنتظم الوزاري العربي، إلا إذا استثنينا “عنتريات” الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبعض الوعود السياسية ذات الاستهلاك الداخلي بتحريك ماليزيا وأندونيسيا جيشهما نصرة للقدس الشريف.

يدرك الفاعل الرسمي الفلسطيني أن لحظة التفكير خارج الصندوق قد أزفت إنقاذا لمسار تسوية آمن بها كحل استراتيجي ونهائي في الشرق الأوسط، وانتشالا لمسيرة جاءت به على أشباه جغرافيا متلاشية وعلى شعب يعيش الشتات والتشتت منذ 1948، ورفعا للعتب عن عواصم عربية وإسلامية عديدة لا تريد مواجهة مباشرة أو شبه مباشرة مع واشنطن وبات رهانها الاستراتيجي والحصري على الفاعل الأميركي في كافة مكاسرات الإقليم، وما أكثرها.

ومقولة “التفكير خارج الصندوق” أصبحت اليوم متلازمة للمتحدثين باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، مرة تحت عنوان “الخطوات غير التقليدية” ومرة ثانية باسم “الأمور الجديدة والاستثنائية” وثالثة برسم “ردة الفعل الملحوظة”، وهي كلها أشكال وقوالب لمضمون واحد جوهره المراجعة الشاملة والعميقة لمسار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

صحيح أن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي نفى أن تكون المراجعة إنهاء للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية، ولكنه في المقابل أشار إلى أن المقصود بحث عن راع أو رعاة جدد للتسوية تنهي كليا الوكالة الحصرية لواشنطن على هذا الملف.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن السلطة الفلسطينية بدأت تبحث في البدائل الأوروبية ذات الرصيد الاعتباري والرمزي في القضية الفلسطينية والتي لا تحدث اصطداما مباشرا مع واشنطن، وعلى رأس الخيارات توجد فرنسا التي لم تكن بعيدة عن القضية الفلسطينية في أكثر من مرحلة.

واللافت هنا أن باريس هي العاصمة الوحيدة التي لا فقط رفضت القرار الترامبي، وإنما ذهبت إلى الأبعد والأكثر إحراجا لواشنطن حيث اعتبرت أن الوساطة الأميركية للسلام في فلسطين المحتلة انتهت بشكل تام.

نعي باريس للوساطة الأميركية يفضي إلى فرضيتين سياسيتين، واحدة مستبعدة قوامها استحثاث تخلي واشنطن على قرارها بنقل السفارة إلى القدس وهو متعذر لعدة اعتبارات، والثانية مرجحة وجوهرها بحث عن دور فرنسي مستحدث في ملف السلام يعيد لباريس ثقلها ووزنها السياسي والاستراتيجي.

والحقيقة أن باريس بدأت تطرق ملفات الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة انطلاقا من الملف اللبناني عبر استضافة المؤتمر الدولي حول لبنان، ومن قبل عمد الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في يناير 2017 لإحياء التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

تملك باريس في الشرق الأوسط ما لا تمتلكه واشنطن وغيرها من العواصم الدولية المؤثرة، حازت بموقفها الرافض من احتلال العراق في 2003 وبدعم رئيسها الراحل جاك شيراك للرئيس ياسر عرفات وحضوره لجنازته التي قاطعها الكثير من المسؤولين العرب، وبمقاربتها المتوازنة في لبنان وباقترابها الحذر من دمشق، على رأسمال اعتباري رصين يضعها في غير خانة واشنطن وموسكو، ناهيك عن طهران وأنقرة.

صحيح أن باريس مسكونة بإحياء مشروع الاتحاد المتوسطي ليكون مجال تعاون سياسي واقتصادي بين الضفتين، وفي المشروع عناوين اقتصادية قوامها تزويد الاتحاد الأوروبي بموارد كبيرة من الغاز تبعد عن بلدانه الحصرية والتبعية المطلقة لروسيا في هذه الطاقة المهمة والاستراتيجية.

وصحيح أيضا أن باريس تسعى إلى استعادة قوتها الناعمة عبر دبلوماسية نشطة أطلقها إيمانويل ماكرون وجون إيف لودريان في أفريقيا والشرق الأوسط، تعطي لباريس صبغة الاستقلالية عن واشنطن التي كثيرا ما اتهم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بكسرها وضربها في أكثر من ملف.

غير أن الأصحّ أيضا أن فرنسا تمثل ثقلا سياسيا واستراتيجيا معتبرا بالإمكان الاستفادة منه فلسطينيا، والتصريح الجريء الذي أطلقه الرئيس ماكرون في المؤتمر الصحافي المشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أعاد رمي الكرة إلى الملعب الإسرائيلي باعتماد خطوات حقيقية لإعادة الثقة بين الطرفين، يتنزل في سياق سعي باريس لتحريك مياه التسوية الراكدة.

مثل إعلان ترامب فرصة فلسطينية لتعدد البدائل السياسية ولاجتراح الخيارات الجديدة ولتدوير الزوايا وتنويعها ضمن مقولة البحث عن رعاة جدد أو رعاة إضافيين لإحداث التوازن والحياد المطلوبين.

على الفلسطينيين استثمار حالة التضامن الشعبي والرسمي وتحويلها إلى مشروع استراتيجي واضح يقوم على الوحدة الداخلية وتعدد الرعاة الدوليين لفرض خارطة طريق جديدة تؤمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية وتنهي مسلسل الابتزاز الأميركي الذي لا ينتهي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

7