مجازات القدس

الأربعاء 2017/12/13

حين أصدرت سيرين الحسيني شهيد كتابها "ذكريات من القدس" قبل أزيد من عقدين، كانت تسعى لتوثيق ذاكرة بصرية لشوارع ومنازل وساحات ومنتزهات وناس من عائلات مقدسية، ولأحاسيس متصلة بمكان لا يمكن أن يمّحي، بيد أنها بصيغة ما تجاوزت الأسطورة ومعجمها النمطي، ونقلت المدينة إلى تفاصيل أرحب من قبة الصخرة وكنيسة القيامة وهيكل سليمان، تلك التي تثبت أن العيش أوسع من الرموز وأن إرادته فوق التنازع على أسماء القدس وبيت المقدس وأورشاليم، وأن أزياء وأطعمة وأشجار وروائح تطل من ألبوم صور قديمة هي أنفذ من البيانات والتحاليل والخرائط، في رسم مدارات “عروبة” هاربة.

تم تداول الكتاب على نطاق واسع لدى القارئ الغربي، في أوروبا والولايات المتحدة هو المكتوب في الأصل بالإنكليزية، ولم يتداول إلا في نطاق محدود بعد ترجمته، في سياق عربي غارق تدريجيا في أزماته المحلية.

وقبل سنوات قليلة أصدر الباحث المغربي عبدالرحمن بن زيدان كتابا تحليليا وتاريخيا ضخما عن "مقامات القدس في المسرح العربي"، تحدث فيه عن طاقة “الخروج من قدر الهزيمة” من خلال مجاز مديني هارب ومتغلغل في الذاكرة الجماعية، مستثيرا العشرات من النصوص والعروض المتّكئة على رمزية القدس لمسائلة الحاضر العربي، من الخليج إلى المحيط، ولم يحظ الكتاب باهتمام لافت في الصحافة الثقافية العربية، واعتبر من مخلفات ممارسة نقدية منقرضة تسعى لإعادة إنتاج أساطير قومية لم تعد مقدسة.

والحال أن العروبة ليست مرادفا للهزيمة، واللسان العربي لم يكن يوما معجما للتسلّط فقط، الرافد الحقيقي للهزيمة والتسلط هو ثقافة النسيان، والانقلاب على تراث ثقافي وفكري وقيمي بكامله، لتبرير الانحطاط، والغرق في التشظي الطائفي. أذكر أنه في مرحلة ما من تاريخ الفكر العربي لم يكن النقاش حول قضية “الدولة العلمانية الديمقراطية”، بوصفها منفذا لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، نقاشا محصورا بالمستقبل الفلسطيني وحده، وإنما كان تحليلا نقديا تمثله فيه نواة الصراع العربي الإسرائيلي، النتوء الظاهر فقط من جبل الجليد.

واليوم حين تعود إلى دائرة الضوء كل هذه التفاصيل من خلال قضية القدس، تستعاد معها ذاكرة منسية عن الاحتلال المستمر والمزدهر مع مفارقات صادمة، مفادها أننا حين نروم اليوم التعبير عن انتمائنا وانتصارنا لقضية عادلة ظلمها النسيان القصدي أكثر من الهزيمة، نضطر للعودة إلى مدونة قديمة، شعرا ونثرا، صوتا وصورة، لحنا ونشيدا.. وحتى حين نتوسّل لغة مبدئية نضطر لأن نسترجع مفردات ومجازات من تراث غارب، تواتر من عصر النهضة العربية إلى تسعينات القرن الماضي، قبل أن يشرع الضمير الجماعي في نفيه ومحوه من التداول.

كاتب مغربي

15