عروبة

الجمعة 2017/12/15

عندما انطلق الحدث السنوي “بيروت آرت فير”، منذ بضعة أشهر أردت الكتابة حصريا عن جزء من المعرض أطلق عليه عنوان “عروبة”، وأشرفت على تحضيره وتنظيمه الخبيرة بفنون شرق الأوسط، اللبنانية/الإيرانية روز عيسى.

هذا الجزء من المعرض قدمه منظموا “الآرت فير” على أنه “يضم أعمالا ولوحات تمّت استعارتها من عدّة مجموعات خاصة وعامة في لبنان تتناول القضايا السياسية والاجتماعية التي مرّت بها المنطقة، وكذلك ما يتصل بذاكرة الفن العربي”.

عنوان شيّق لا شك بذلك، وقد انتظر الكثير من الزوار أن يجدوا مساحة شاسعة تستولي على كل حيز المعرض، فكلمة “عروبة” لا تزال بالرغم من النكسات تحمل معنى ثمينا، خاصة في مدينة بيروت التي عُرفت بأنها عاصمة الحداثة العربية، وهي كلمة كثيرة التشعبات ولا ترتبط حتما بثقل الذكرى أو الحنين إلى ما كان، إذ أن الكثيرين لا يزالون يجدون في هذه الكلمة شكل صندوق سحري مرصود للمستقبل لا بد أن يفتح من جديد، وإن من تلقاء ذاته لتكون للفن ولوقائع الأمور هيئات ومصائر غير تلك التي يرونها تحدث الآن في العالم العربي المعاصر.

لكن، لا.. الحيز المُخصص لـ”عروبة” لم يكن بحجم العنوان، ولم يكن أيضا بحجم الكلام الذي جاء في المقدمة على أنه “يتناول القضايا السياسية والاجتماعية التي مرّت بها المنطقة، وكذلك ما يتصل بذاكرة الفن العربي”.

“التناول” بشكل عام لم يعد أن يكون بمضمونه رثاء من خلال بضعة أعمال فنية للحال التي وصل إليها العالم العربي من ترد ودمار، وإن حضرت في هذا الشق من المعرض أعمال فنية رائعة.

غابت الأعمال الفنية (مع أنها كثيرة) التي تحدثت عن الكشف، أو محاولة الكشف عن ملابسات الحال المتردية والتي أغلبها يرتبط ارتباطا وثيقا بمن هم في الجزء الآخر من العالم.

أيضا، في المقدمة هذه الكلمات والأسئلة التي بهتت لدى دخولها إلى الحيز “العروبي” من المعرض “الأعمال المختارة ستتناول مختلف القضايا الشخصية والوطنية والإقليمية المؤثّرة على العالم العربي في ضوء الاضطرابات التي يعيشها: لماذا نفعل ما نفعله ونحن راضون؟ كيف نقاوم الكليشيهات والظّلم والمعايير المزدوجة والانتهازية؟ تهدف الأعمال المختارة إلى إظهار القوى المحرّكة في المنطقة وكيفية إشراك الفنانين في ظلّ الوقائع السياسية التي يواجهها العالم، وذلك من خلال وسائل الإعلام والموضوعات المختلفة لاستكشاف ما يتحمّلونه في جوّ من الفوضى العارمة”.

أما الذي زاد الطين بلة، هو عندما عرفت من بعض الفنانين المشاركين بأنه طلب منهم أن يرسمو “شيئا ما” عن العروبة، في هذا الطلب الكثير من الاستخفاف بعملية ولادة أي عمل فني، وهو أيضا تكريس جديد لمنطق السوق وقانون عرض البضاعة التي يريدها منا الآخرون.

ويضيف أحد الفنانين أن ثمة أعمالا أنجزت وتم عرضها لا تتعلق بالعروبة لا من قريب ولا من بعيد.

كما قدم “عروبة” الفن الشرق أوسطي المُعاصر على أنه غير معني إلاّ بصور الموت والفقر واللجوء، وأن ذلك هو كل ما يصبغ العالم العربي المُعاصر.

أما الكلام عن “الاتصال بذاكرة الفن العربي” الذي قرأناه في المقدمة، فربما كان المقصود به اتصالا “باراميتافيزيقيا” قائما على استدعاء شكلي لأرواح الفنانين “القدامى”، لا أكثر وربما ولا أقل.

الأهم من ذلك أن عددا كبيرا من الأعمال الفنية المنتشرة في أرجاء المعرض استحقت أن تكون في جزء “عروبة” بدلا من أن تذوب هنا وهناك بين الأعمال الفنية الأخرى.

في النهاية، لا شك أن روز عيسى كانت قادرة على أن تنظم أهم وأشمل ممّا رأينا، ولا شك أيضا أنها أرادت ذلك، لذلك يمكن القول بأن المشكلة ربما تكمن عند المنظمين الرئيسيين للمعرض، وهم فرنسيون احتكروا تقديم هكذا معارض ضخمة، وعكفوا طوال السنين الماضية على الترويج لمنطق العولمة المُقنّعة بالاعتراف والذوبان في عشق الآخر/المختلف، وهي في صميمها غير ذلك تماما.

ناقدة لبنانية

17