"في البداية قتلوا أبي" فيلم أنجلينا جولي الجديد

الأحد 2017/12/17
أنجلينا جولي مع بطلة فيلمها المؤثر

يطرح الفيلم الجديد “في البداية قتلوا أبي” First, They Killed My Father رابع الأفلام الروائية التي تخرجها الممثلة- النجمة الأميركية الشهيرة أنجلينا جولي، تساؤلات تتعلق بدور وشكل الفيلم السياسي أو الفيلم الدرامي الروائي الذي يتناول قضية سياسية، خاصة تلك التي ترتبط ببلدان تقع خارج منظومة الدول الأوروبية-الأميركية، أي في نطاق ما اصطلح على تسميته بـ”دول العالم الثالث”.

كان تناول السينما الغربية والأميركية عموما -لقضايا العالم الثالث السياسية- يستند في العادة، إلى وجود بطل أبيض (أو بطلة) يمكن أن يتماهى معه الجمهور الأميركي من الطبقة الوسطى، يعكس في الوقت نفسه، نظرة هوليوود “الليبرالية” التي تدين التجاوزات والتدخلات الأميركية في شؤون بلدان العالم الثالث، تنتقد الكثير من تصرفات الإدارة الأميركية، لكنها لا تصل إلى مستوى “السينما الثورية” في الطرح والتحليل. وعادة ما يظهر اهتمام هوليوود بعد أن يكون الموضوع قد أصبح مطروحا على الساحة العالمية من خلال وسائل الإعلام، لكننا لا نقترب عادة بشكل حقيقي من السكان “الأصليين” أصحاب المشكلة بحيث تتركز البطولة في بطل أوروبي- أميركي- أبيض، لولاه لما عرف العالم (المتحضر) ما يحدث في هذه البلدان.

كان هذا هو الحال على سبيل المثال لا الحصر، في ما يتعلق بأفلام مثل “فيما وراء رانغوون” (1995) لجون بورمان (يدور في ميانمار)، “اصرخ حرية” (1987) لريتشارد أتنبره (يدور في جنوب أفريقيا)، “حقول القتل” (1985) لرولاند جوفيه (يدور في كمبوديا)، “عام العيش الخطر” (1983) لبيتر وير (يدور في إندونيسيا)، و”مفقود” (1982) لكوستا غافراس (يدور في شيلي).

أخرجت أنجلينا جولي من قبل ثلاثة أفلام روائية طويلة وفيلما تسجيليا طويلا وفيلما قصيرا. أفلامها الروائية الثلاثة السابقة هي “في أرض الدم والعسل” (2011) و”صامد” Unbroken (2014) و”عن طريق البحر” (2015). كان الفيلم الأول يدور أثناء الحرب في البوسنة، والفيلم الثاني خلال الحرب العالمية الثانية، وكلاهما من الأفلام المناهضة للحرب.

عودة إلى الساحة السياسية

في فيلمها الجديد “في البداية قتلوا أبي” تواصل أنجلينا جولي التعبير الإنساني المرهف عن موقفها السياسي المناهض للعنف والقهر والاضطهاد، خاصة ما يتعرض له الأطفال في مناطق مختلفة من العالم، ويغيب غيابا تاما ذلك البطل الفردي الأميركي الأبيض، ويحل محله اهتمام رئيسي يتركز على طفلة كمبودية كانت في السابعة من عمرها وقت اندلاع الأحداث العنيفة التي شهدتها كمبوديا مع استيلاء جماعة “الخمير الحمر” على السلطة في البلاد عام 1975. ويستند سيناريو الفيلم الذي اشتركت أنجلينا جولي في كتابته مع “لونغ أونغ” صاحبة القصة وبطلتها، على الكتاب الذي أصدرته (عام 2000) لونغ ويتضمن ذكرياتها عن تلك الفترة المظلمة التي استمرت لعدة سنوات من حياتها وحياة شعبها.

جولي تواصل التعبير الإنساني المرهف عن موقفها السياسي المناهض للعنف والقهر والاضطهاد، خاصة ما يتعرض له الأطفال في مناطق مختلفة من العالم، ويغيب غيابا تاما ذلك البطل الفردي الأميركي الأبيض، ويحل محله اهتمام رئيسي يتركز على طفلة كمبودية كانت في السابعة من عمرها وقت اندلاع الأحداث العنيفة التي شهدتها كمبوديا

بطلة الفيلم الطفلة “لونغ أونغ” التي تقوم بدورها سيموش ياريوم، مع جميع الممثلين المشاركين في الفيلم، هم من الكمبوديين الذين يتحدثون بلغتهم المحلية مع وجود ترجمة مطبوعة على الفيلم باللغة الإنكليزية، أي أن الفيلم يصبح على هذا النحو، فيلما “كمبودياَ” عن كمبوديا، ناطق بالكمبودية. والفيلم من إنتاج أنجلينا جولي (لحساب شركة نيتفليكس الأميركية) بالاشتراك مع المنتج والمخرج الكمبودي ريثي بان الذي أخرج الفيلم البديع “الصورة المفقودة” الذي شاهدناه في مهرجان كان قبل 4 سنوات وكان يتناول من زاوية ما، أعمال الإبادة الجماعية التي مارسها الخمير الحمر في كمبوديا.

بسبب “كمبوديته” الواضحة، اختير الفيلم لتمثيل كمبوديا في مسابقة الأوسكار القادمة ليتنافس على جائزة أحسن فيلم “أجنبي”. ولكن المشكلة التي تتعلق بتوزيع الفيلم وتسويقه في السوق الأميركية تحديدا، والغربية بوجه عام، تكمن في غياب ذلك البطل التقليدي الذي اعتاد الجمهور التماثل معه ومشاهدة الفيلم من وجهة نظره.

مدخل تسجيلي

يبدأ الفيلم بمدخل شبه تسجيلي مكون من مزيج من اللقطات التي تصور الحياة الحديثة في كمبوديا بينما يصف للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، أنهم أي الأميركيين يحترمون حياد الكمبوديين لخلفية من صور إسقاط القنابل من الطائرات فوق كمبوديا، وفي لقطة أخرى يظهر مراسل بي بي سي يقول إن الجيشين المتحاربين على الحدود الفيتنامية لا يباليان بكمبوديا.. مع لقطات من تقارير تلفزيونية مصورة عن ضحايا القصف في كمبوديا.. ثم يظهر وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر يتحدث عن احتمال وجود “مصاعب عرضية في التوصل إلى حل نهائي”.

ويظهر نيسكون مجددا يعلق أمام كاميرات التلفزيون على خلفية لقطات لقصف كمبوديا بأن ما يحدث “ليس غزوا لكمبوديا”. تستمر لقطات القصف وصور الضحايا وفرار الأفراد من تقرير تلفزيوني لمراسل فرنسي، ينتهي بأن الكثير من الكمبوديين يلجأون الآن إلى “الخمير الحمر” الذين تعهدوا باستعادة كمبوديا من الجنرال لون نول المدعوم أميركيا، ولكننا لا نعرف الكثير عن زعماء الخمير الحمر الذين يتقدمون صوب العاصمة بنوم بنه الآن..

الكاميرا تتحرك على أرضية مسكن أنيق إلى حيث تنعكس صورة الطفلة “لونع أونغ” على سطح شاشة التلفزيون بينما المذيع الفرنسي يقول إن الأميركيين أوقفوا مساعداتهم العسكرية لنظام لون نول. تتحرك الكاميرا نحو شرفة المنزل لنرى وصول قوات الخمير الحمر اليسارية أمام منزل أسرتها.

لونغ تتطلع إلى ما يجري في الأسفل.. إنها ابنة من بين سبعة أطفال، لضابط يعمل في جيش الدكتاتور لون نول الموالي للولايات المتحدة. قوات الخمير الحمر تطالب السكان بمغادرة منازلهم والخروج من المدينة بدعوى أن الأمر لن يستمر أكثر من ثلاثة أيام ثم يمكنهم العودة، ولكنها تستولي على ممتلكاتهم وتصادر أشياءهم الثمينة بدعوى القضاء على أي شكل من أشكال الملكية الفردية. والد لونغ يخفي ملابسه العسكرية ويستعد مع أسرته (زوجته وأبنائه السبعة) للفرار، ويحرص على أن يلقن الأطفال القول بأنهم ينتمون إلى أسرة من العمال.

قوات الخمير الحمر تدخل العاصمة

يبدأ “الخروج الكبير” لسكان بنوم بنه في مشهد هائل، في إيقاع سريع متدفق، مع تنويع في زوايا اللقطات وكاميرا تتحرك باستمرار، مع تكوينات توحي بالطابع التسجيلي، ثم تبدأ المعاناة الطويلة التي تستمر بطول الفيلم، لنشاهد كيف يتفرق الأطفال السبعة، ويتم إلحاقهم بالعمل الإجباري الشاق في المزارع كنوع من السخرة (مقابل حفنة قليلة من الأرز لا تسد الرمق)، وكيف تموت شقيقة لونغ بتأثير العمل الشاق والمرض، ثم كيف يقتادون الأب الذي لا يعود قط.

الخمير الحمر الذين يعتنقون فكرة تحقيق الاكتفاء الذاتي، يسوقون الجميع إلى الريف، للعمل في مزارع الأرز، وعند الاشتباه في انتماء أي أشخاص إلى أسر من الطبقة الميسورة يتم التنكيل بهم وقتل آبائهم تحقيقا لفكرة النقاء الطبقي التي تسيطر عقائديا على أفراد ذلك التنظيم المرعب الذي سيمارس كما سنرى، أعمال الإبادة الجماعية، والقتل على الهوية، وإجبار الأطفال على التدرب على حمل السلاح لمواجهة العدو الفيتنامي (كانت فيتنام قد بدأت التدخل العسكري في كمبوديا بعد وقوع شقاق بين الدولتين رغم اعتناق كليهما الماركسية).. ونرى كيف تنضم لونغ إلى الأطفال الذين يقومون بزرع الألغام لحماية الحدود، وهي الألغام التي ستنفجر تحت أقدام رفاقها وأقرانها أمام عينيها في ما بعد في مشهد آخر من المشاهد الرئيسية المؤثرة في الفيلم، يعكس الاهتمام الخاص لأنجلينا جولي بقضية الألغام.

الخمير الحمر يجبرون الجميع على صباغة ملابسهم باللون الرمادي الداكن، وقص شعر الفتيات، والتخلي تماما عن أي مقتنيات تمتّ للغرب بصلة، لذلك ينكلون برجل منح ابنه دواء مستوردا من فرنسا، ويصبح الشعار الذي يتردد عبر مكبرات الصوت في المعسكرات أنه “من الأفضل قتل إنسان بريء على ترك عدو يفلت”.

سرعان ما ينتقل الفيلم للتركيز على “الجوع” وتصوير عضته والاشتياق للطعام على شكل تداعيات في ذهن الصغيرة لونغ وهي تتخيل أنها تلتهم الحلوى كما كانت تفعل في الماضي وسط أسرتها، كما نشاهد كيف يجوع الأطفال فيحاولون اختلاس بعض الثمار التي زرعوا أشجارها بأنفسهم في الحقول الخضراء الممتدة من حولهم في المعسكر، لكن اليد الباطشة تطالهم على الفور وتنزل بهم العقاب البدني الشديد.

تفاصيل الصورة

تركز أنجلينا جولي على تفاصيل في الصورة، ترتبط بنظرتها الأنثوية الرقيقة الخاصة التي تفيض بالعاطفة، وبروح الأمومة، والتعاطف الكبير مع الأطفال بوجه خاص. جولي على سبيل المثال تجعل الأم تطلب من ابنتها لونغ إخفاء قميص أزرق لكي تحافظ عليه دون أن تصبغه بالرمادي كرمز للاحتفاظ بذكرى الماضي وأمل في عدم نسيان هذا اللون، وتهتم كثيرا بتصوير كل ما نشاهده في الفيلم من وجهة نظر لونغ الصغيرة، وتعكس خوفها وعدم إدراكها لمعنى ما تشاهده من عنف.

بعد أن يأتي مسلحو الخمير الحمر لاقتياد والد لونغ بدعوى أن القائد يريده لإصلاح جسر ما، يدرك الرجل على الفور أن هويته قد انكشفت، وأنه ذاهب ليلقى حتفه، فيمنح زوجته صورة للأسرة يوصي بإعطائها لابنته لونغ، ويترك بعض الأشياء لباقي أبنائه، ويرحل. وفي أحد المشاهد تسأل لونغ شقيقتها التي تكبرها بعد أن تكون قد رأت الموت من حولها يقع بالجملة: ماذا يحدث عندما يموت الناس؟ تجيبها شقيقتها: ينامون لثلاثة أيام ثم ينهضون ويتجهون نحو النهر ويغتسلون من آثام الجسد قبل أن يبدأوا رحلتهم إلى السماء حيث يجري تناسخ الأرواح. ولكن لونغ تعود فتسألها: ولكن إلى أين يذهبون بعد ذلك؟ تصمت الفتاة طويلا ثم تجيبها: لا أعرف.

أنجلينا جولي تركز على تفاصيل في الصورة، ترتبط بنظرتها الأنثوية الرقيقة الخاصة التي تفيض بالعاطفة، وبروح الأمومة، والتعاطف الكبير مع الأطفال بوجه خاص

تصور جولي قتل الأب على شكل كابوس تشاهده لونغ أثناء نومها، فترى كيف يضربونه على رأسه ثم يلقون به في حفرة كبيرة مع العشرات من الجثث. المشهد مصور بالحركة البطيئة وسوف يتكرر في ما بعد خلال الفيلم من وعي لونغ. وتستخدم جولي حركة الكاميرا كثيرا خاصة في المشاهد الأولى.

وبالتعاون مع المصور البريطاني البارع أنتوني دود ماتل، تركز على الألوان الزاهية المبهجة في المشاهد الأولى للأسرة وهي تمارس حياتها في حرية وسعادة، يلهو الأطفال ويرقصون وهم يستمعون إلى الموسيقى أو عندما يتناولون الطعام مع ذويهم حول المائدة، ومع تطور الأحداث تشحب وتغيب تدريجيا الألوان الزاهية وتطغى الألوان القاتمة الكئيبة على الصورة مع هيمنة اللون الرمادي على ملابس الجميع، وفي تناقض مع الطبيعة المحيطة (اللون الأخضر والأصفر في الحقول بوجه خاص).

ينتقل المصور طوال الوقت، من الزوايا المرتفعة، أحيانا من نظرة الطائر، وأحيانا بالهبوط التدريجي من أعلى إلى أسفل، إلى لقطات مأخوذة من زوايا منخفضة أو على مستوى الشخصيات، مع حركة كاميرا تجوس في أرجاء المكان، تربط بين البشر والأماكن، وتحيط في لقطات عامة من بعيد، بتفاصيل المعسكرات والمخيمات والحقول وأماكن الإيواء البدائية التي أرغم السكان على تشييدها بسواعدهم، وقد روعي في تصميم هذه المناظر الدقة الفوتوغرافية. ولاشك أن مهندس الديكور ومنسق المناظر قد درسا جيدا طبيعة الفترة من خلال ما توفر من صور ولقطات.

الدقة السياسية

ومن أهم عناصر الفيلم الدقة الشديدة في جميع التفاصيل الخاصة التي تجسد طبيعة نظام الخمير الحمر وشموليته وضراوته ولا إنسانيته، من خلال الشعارات التي نسمعها على شريط الصوت من الخلفية، أو تلقين الأطفال هتافات معينة، أو النهي عن أشياء محددة والشعارات المناهضة لـ”العدو الفيتنامي” إضافة إلى مراعاة الدقة في ملابس جنود الخمير الحمر وطريقتهم وأسلوبهم في الحركة وإلقاء التعليمات، كما في طريقتهم في إدارة المعسكرات.. وغيره.

وكلها تضيف للجو العام للفيلم بشكل يدعو للإعجاب خاصة وقد تم تصوير مناظر الفيلم كلها في المواقع الطبيعية للأحداث في كمبوديا، كما استعانت أنجلينا جولي بخبرة وكالة “ماكلارتي ميديا” لصاحبها ريتشارد كلين، وهي وكالة إعلامية متخصصة في تدقيق جميع التفاصيل السياسية المتعلقة بالفترة التي يتناولها الفيلم. هذا دون شك، أكثر أفلام أنجلينا جولي طموحا من الناحية السينمائية وأكثرها تماسكا ورونقا وصدقا. ومن دون الصدق ماذا يمكن أن يبقى!

ناقد سينمائي من مصر

15