"فلاش بيرن": نجاة من الوباء وسقوط في متاهة الذاكرة المفقودة

تتجه سينما الخيال العلمي إلى معالجات شتى في ما يتعلق بثيمة الانهيار العظيم، فمن جهة هنالك الحروب الطاحنة التي تضرب البشرية، وهنالك الأوبئة، وهناك أيضا الكوارث الطبيعية، وفي جميع الحالات كان ذلك العالم الديستوبي يركّز على من تبقى من البشر الناجين من الكوارث.
الاثنين 2017/12/18
لا بد من حل

نال موضوع الأوبئة التي تضرب العالم في زمن مستقبلي حظه في العديد من المعالجات السينمائية بأساليب وتجارب مختلفة التقت كلها تقريبا عند محور أساسي، هو أن الشخصيات تصارع مجهولا يأتي على الجنس البشري وهو خارج على السيطرة غالبا، وقد شهدنا ذلك في أفلام “الرجل الأخير على الأرض” (إنتاج 1964)، و”رجل الأوميغا” (1971)، و”فيروس” (1980)، و”12 قردا” (1995)، و”الانتشار” (1996)، و”28 يوما أخرى” (2002)، و”كابينة الحمى” (2003)، و”العدوى” (2004)، و”جزيرة الموتى” (2005)، و”بانديميك” (2007)، و”عمى” (2008)، و”العزل” (2009)، و”الحرب العالمية” (2013)، و”فلو” (2014) وغيرها.

وفي فيلم “فلاش بيرن” للمخرج البلجيكي من أصل إيطالي جيورجو سيرافيني (إنتاج 2017) تحضر ثيمة الوباء الذي يكتسح البشرية، ويخلف بقايا من الناجين في مقابل انهيار دول بأكملها.

نحن في العام 2018 وقد اجتاح وباء إيبولا المجتمعات، مما دفع العلماء إلى إيجاد فيروس مضاد لفيروس المرض، ولكن هذا المضاد سيتحول إلى حالة فيروسية أخرى تؤدي إلى فظائع أشد فتكا.

في المقابل، يعوّل على العالم نولان (الممثل شين باتريك فلانيري) لإنقاذ البشرية من خلال توصله إلى لقاح مضاد يقضي على المرض، لكن جهات ما لا تظهر بشكل مباشر في بداية الفيلم تحول دون التوصل إلى ذلك الحل، فيجد نولان نفسه دامي الوجه في وسط سيارة محطمة في حادث تصادم ترتّب عليه فقدان نولان لذاكرته.

هنالك دائما صوت امرأة يمثل مشروع “لازاروس″ يلاحق نولان، ويقوم بتوجيهه، وما عليه أن يفعل أو لا يفعل، لأنه واقعيا عاجز عن إدراك أين هو، فهو وحيد في داخل منشأة أبحاث ضخمة وكلما حاول الخروج من المكان تضربه صعقة كهربائية تشلّ حركته، فضلا عن تذكيره بأن له زوجة وابنة.

ما يلبث نولان أن يكتشف وجود امرأة في نفس المنشأة يظهر في ما بعد أنها كيلي مساعدته في الأبحاث (الممثلة كاميرون ريتشاردسون)، وهي التي تحاول مساعدته في استعادة ذاكرته، مع أنها كانت معه في حادث التصادم، وتشرح له أنه بسبب تفشي الفيروس فقدت السيطرة على منشآت نووية تحكم بها أشرار تسببوا في إبادة قارة أميركا الشمالية بأكملها.

وباء إيبولا يجتاح المجتمعات في 2018، الأمر الذي يدفع العلماء إلى إيجاد فيروس مضاد لفيروس المرض، إلا أنه أتى أشد فتكا

ومن هناك، يعيش نولان صراعا قاسيا ما بين محاولة استرجاع ذكرى زوجته وابنته التي تخبره عنها صاحبة الصوت وبين وجود بعض الذكريات المتناثرة التي ترد نُتف منها إلى وعيه، تقول إنه على علاقة مع كيلي، وهي أقرب إنسانة إليه وربما هي زوجته، لكنها تنفي كل ذلك.

وعلى الرغم من تركيز السرد الفيلمي وخطوط الدراما على الشخصيتين مع الصوت الثالث، إلاّ أن الفيلم تم نسج أحداثه ببراعة وقدم مزيجا من التداعيات النفسية ومن الرعب والجريمة إلى درجة لا يجد فيها المشاهد أي ثغرة في الإيقاع الفيلمي برمته.

لقد تم الاشتغال بعناية على نظرية المؤامرة وكون كيلي هي نفسها الزوجة وهي صاحبة الصوت، وأن ما قامت به ليس إلاّ اجتهادا منها لغرض أن يستعيد نولان ذاكرته فيقوم بإنقاذ البشرية.

وفي المقابل تم نسج شخصية موازية لكيلي، هي التي تقود حرّاسا مسلحين يسعون للوصول إلى المنطقة المحظورة التي ضربتها الأوبئة والإشعاعات، حيث يقيم نولان في تلك المنشأة المهجورة.

وعلى الرغم من محدودية المكان، إلاّ أن المخرج نجح في الخروج من أسر الضيق المكاني من خلال الأماكن المفتوحة واللقطات البعيدة والعامة التي جسدت ضياع نولان.

وتكاملت في الفيلم عناصر جمالية متعددة منها العمق الإنساني للسرد الفيلمي وغوصه في المشاعر الإنسانية المحبطة بالنسبة لنولان، وسعيه لاستعادة ذاته ووعيه المفقود، فضلا عن عمق علاقته مع كيلي التي أدت دورها ببراعة ملفتة للنظر.

ومن جانب آخر تم استخدام المونتاج والموسيقى وحركات الكاميرا بكثافة لتعميق المضمون الفيلمي، وسعيا نحو إقناع المشاهد بتلك الثيمة الخيالية المفرطة التي يقدمها السيناريو.

أما في ما يخص السرد الفيلمي المتعلق بالوباء وما آلت إليه البشرية، فكالعادة هنالك الناجون من الموت وهنالك الذين ما زالوا مهدّدين، حيث وعدتهم الحكومة بالحصول على مضاد للوباء، ولكن من دون أن تفي بوعدها ممّا يتسبّب في خروج الناس في مظاهرات غاضبة مطالبين بإنقاذهم وإنقاذ أعزائهم.

وخلال ذلك، وفيما الحشود تضغط مطالبة بلقاح مضاد للوباء، يعمل نولان بجهد للوصول إلى الاكتشاف الذي ينقذ البشرية من الوباء.

واقعيا قدم الفيلم معالجة مميزة وسعى المخرج جاهدا للوصول إلى شكل سينمائي ومسارات درامية لا تحاكي تجارب كثيرة سابقة من التي أشرنا إليها آنفا، بل أن يُوجد مدخلا مختلفا فيه قدر من الإقناع والجاذبية، وهو ما تحقّق فعلا.

16