كبار التجار في سوق الأخبار

الثلاثاء 2017/12/19

ماكنة الأخبار لا تتوقف وهطول الأخبار لا ينتهي.

ذلك السيل اليومي الذي يتدفق من كل بقعة من أنحاء العالم صار علامة فارقة لزمننا الرقمي.

ليس غريبا أن يسمى هذا الزمن بأنه زمن الأخبار التي يصنعها الآلاف من الصنّاع المهرة وتبثها المئات من المحطات وشبكات التلفزيون والراديو والصحف فضلا عن وكالات الأنباء.

وبصدد هذه الأخيرة فإن هنالك استحواذا وسوقا رائجة علامتها الفارقة وكالات أنباء عالمية ترسل عيونها إلى كل فجّ عميق.

فالمراسلون اليقظون يرسلون تقاريرهم ليلا ونهار إلى الملايين من المستهلكين اليوميين.

الصور والأخبار اليومية وعلى مدار الساعة غالبا ما تأتينا ممهورة بتوقيع واحدة من وكالات الأخبار الكبرى.

ما بين وكالات أنباء عملاقة وأخرى تابعة وهامشية يتشكل المشهد الإخباري اليوم.

في العديد من بلدان العالم وحتى الفقيرة منها هنالك وكالات، إنشاؤها كان من لزوم ما يلزم وجزء من ديكور الحكم ووجود مؤسسات للإعلام، أما في الواقع فإنها وكالات هامشية لا ترقى إلى ذلك المستوى المهني والانتشار الكوني للوكالات العملاقة.

هذه المفارقة توصلنا إلى إحصائية خلاصتها أن أكثر من 80 بالمئة مما نقرأ من أخبار يومية هو من إنتاج مطابخ تلك الوكالات الكبرى التي هي كبار تجار سوق الأخبار والمستثمرون فيها.

وكالات استحواذية على الخبر تراكمت خبراتها على مدى أكثر من 100 عام من الزمن منذ تأسيسها.

منذ السبعينات وفي ذروة صعود قوة ما كان يُعرف بالمعسكر الاشتراكي وصعود ما يعرف بالصوت الثالث أي اللاشيوعي واللارأسمالي وصعود نجم حركة عدم الانحياز، كان الإعلاميون يطالبون بالصوت المستقل.

ندوات ومؤتمرات ومطالبات عالمية كانت تنادي بإيقاف معادلة المركز والهامش ومقولة الصوت والصدى، أي تبعية إعلام العشرات من الدول لما تبثه بضع وكالات غربية مستحوذة على صياغة الخبر بالشكل والطريقة التي تناسبها.

لا يمكن الحديث في هذه الإشكالية دون ذكر ما عرف بتقرير لجنة “ماكبرايد”، تلك اللجنة التي قاربت ظاهرة الهيمنة الإعلامية الغربية وأثارت جدلية الشمال والجنوب الإعلامية.

ماكبرايد، الوزير الأيرلندي الحاصل على جائزة نوبل للسلام قاد لجنة من كبار خبراء الإعلام طيلة عدة سنوات لرصد وتقصّي وتحليل ظاهرة الهيمنة الإعلامية من طرف واحد في مقابل الفراغ لدى الطرف الآخر.

كان تقرير “أصوات متعددة وعالم واحد” الصادر في العام 1980 في شكل كتاب قد وضع النقاط على الحروف بخصوص الهيمنة الإعلامية الغربية بشكل خاص وهيمنة بضع وكالات أنباء على المشهد الإعلامي العالمي برمته.

لقد استند التقرير إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نعيش في هذا الشهر من كل عام ذكراه السنوية (صدر في العاشر من ديسمبر من العام 1948)، ومنه أن من حقوق الإنسان الأساسية الحق في الاتصال والحق في الأخبار.

الاتصال أحادي الجانب والاحتكار المتواصل لصناعة وإنتاج ونشر الأخبار كانا الشغل الشاغل للجنة ماكبرايد التي ظلت أصداؤها متواصلة بقوة لسنوات عدة تبعتها إقامة العشرات من الندوات والمؤتمرات ولكن كانت الولايات المتحدة بالمرصاد لذلك التقرير.

يومها وفي العام 1980 أعربت أميركا عن سخطها على تقرير مكبرايد وعلى منظمة اليونسكو التي رعت مؤتمر مكبرايد ولوّحت بالانسحاب من تلك المنظمة الدولية.

ولعل السؤال الذي يطرح اليوم، يا ترى ما الذي تغير في المشهد الإعلامي منذ البدايات الأولى لسيطرة الوكالات الكبرى للأخبار على المشهد العالمي مرورا بحقبة تقرير مكبرايد ومناصريه وصولا إلى يومنا هذا؟

واقعيا إن تلك الهيمنة ما زالت على أشدها وعمالقة الأخبار ازدادوا استحواذا على سوق الأخبار وهم يعلنون أنفسهم المصدر الوحيد والمنافس للحقيقة وعلينا أن نصدّقهم.

كاتب عراقي

18