بيروت تحتضن ثراء الأساليب في التشكيل العربي

كما في كل سنة، لم تهدأ حركة المعارض الفنية في بيروت وقد شملت التشكيل والتجهيز، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي وأعمال الفيديو آرت، والورش الفنية والمعارض المُشتركة، والمسابقات الفنية، إضافة إلى معرض بيروت للفن المعاصر الذي يلتئم كل سنة ومهرجان الأفلام الوثائقية الفنية الذي يهتم إلى جانب مواضيع أخرى، بفن التشكيل الفني العربي والعالمي، كما شهدت بيروت معارض استعادية مهمة للفنانين اللبنانيين عبدالحميد بعلبكي وجبران طرزي ومعرضا آخر ضم صورا فوتوغرافية ولوحات في استعادة عاطفية لبيروت ستينات القرن الماضي من خلال عدسة وضاح فارس.
الأربعاء 2017/12/20
بيروت تستعيد أعمال الراحل عبدالحميد بعلبكي

ما يميّز سنة 2017 التي شارفت على الانتهاء في خصوص المعارض التشكيلية التي عرفتها لبنان، ثلاث خاصيات تحت عنوان حاضن وهو التوازن، والمقصود بالتوازن أن بيروت عرفت مروحة واسعة جدا من المعارض لم يطغ فيها أسلوب أو منحى فني على الآخر.

الخاصية الأولى التي ظهرت بحدة هذه السنة هي ما يُمكن الإشارة إليها بمنطق تعميم الأزمة أو التجربة، أما الخاصية الثانية فهي مرتبطة بأعمال مبنية على السرد البصري لتجربة شخصية، أو لهاجس شخصي مُحدد يخص الفنان وإن لم يعن الكثير بالنسبة للآخرين.

وتبقى الخاصية الثالثة، وربما قد تكون الأهم، وهي خاصية التلاقح ما بين مختلف الوسائط بنضج فني لم يكن كثير الحضور في السنوات السابقة. إضافة إلى هذه الخصائص الثلاث شهدت الساحة الفنية معارض تهجس بالشكليّ، أو الجماليّ من التجربة الفنية أكثر من اهتمامها بمضامين العمل.

ومن هناك، نجح بعضها في لفت النظر إليها أما بعضها الآخر فجاء باهتا في الشكل كما في المضمون، وربما بذلك لفت النظر إلى أن الجمالي لا يمكن أن يكون حاضرا بمعزل عن الشعوري، إن لم نقل العاطفي.

فتح الله زمرود قدم في معرضه "أطلال بعيدة" بعدا فلسفيا شاملا ووجدانيا عن الحرب، دمغته شاعرية وحساسية فنية

تعميم التجربة

إذا كانت معظم المعارض التي نُظمت في السنوات الخمس الأخيرة، تتمحور جليّا حول الأزمة السورية بغض النظر عن الأسلوب أو التقنية التي اعتمدها هذا أو ذاك الفنان، فمعارض هذا العام تقوم في معظمها على تعميم تجربة الأزمة لتصبح أزمة عامة يتأثر بها الجميع وتنتج عنها ردّات فعل متنوعة تصل أحيانا إلى تشكيل منطق جديد كليا لرؤية الأمور بشكل مختلف تماما.

هذا التعميم قدّمه معظم الفنانين بهدوء خفضت وتيرة اشتعاله في خدمة التوصيف والتركيز على مفاعيل الأزمات وتجلياتها في أشكال مختلفة جدا، وفي مناطق مختلفة من العالم.

من تلك المعارض نذكر معرض الفنان السوري/اللبناني فتح الله زمرود من خلال أعمال جديدة بعنوان “أطلال بعيدة” في صالة “أيام”، وقد عرف الفنان كيف يكسي رمادية معرضه السابق بزرقة فضيّة أعطت لمعروضاته، التي ما لبثت تتناول الحروب، بعدا فلسفيا شاملا ووجدانيا دمغته شاعرية وحساسية فنية عالية.

كما نذكر معرض أعمال الفنان اللبناني شوقي شمعون الذي أقيم في صالة “مارك هاشم”، حيث عرض ظلالا ملوّنة لرجال ونساء وأطفال يقفون في مهب الألوان ويطلّون على ما يشبه الهاويات حينا، وعلى سماوات منقشعة أو مُرصّعة بالألوان حينا آخر.

شخوص الفنان تبدو في هذا المعرض خلافا لمعارضه السابقة غير متورطة بما يحدث أمامها، بمعنى أنه لم يعد يطالها أي خطر من أخطار المشاهد الشاهقة المُشبعة في معظم اللوحات بكل الألوان.

وبدت شخوصه قد انسجمت مع انتظار طويل لحالات مُشتهاة وكثيرة إلى حد لم يعد فيه هذا الانتظار مؤلما أو مُرهقا، بل بات أسلوب حياة وشهادة من نوع آخر على تقلّب المشاهد الطبيعية، أو من الأصحّ القول، تقلّب المشاهد الوجودية.

وأيضا من المعارض التي اتسمت بصبغة “تعميم التجربة” نذكر المعرض الذي نظمته صالة “آرت لاب” تحت عنوان “نعشق ما تقدّمون”. المشاهد في اللوحات تتكرّر فتصوّر بضعة أشخاص، أو شخصا واحدا، يتنزّهون في حقول فضاءاتها ملوّثة بسخام دواخين المحارق، وأقدامهم تسترسل في السير بين نفايات المصانع والمخلّفات الكيميائية، ويحمل العديد منهم أكياس التسوّق غير مبالين، لا بل إنهم معتادون على ما يحدث من حولهم من دمار بيئي وإن كان يجلب لهم كل أنواع الأضرار الممكنة، الصحية منها والنفسية والسمعية والبصرية.

ونذكر أيضا معرض الفنان محمد خياطة “أم الزلف” في صالة “رميل”، وفيه تبدو ربما، ولأول مرة، الشخصية التي واظب على تقديمها وبلورتها على مدى أربع سنوات، والمتمثلة بكائن دقيق الملامح وسيّد على انفعالاته، أينعت اليوم لتستقرّ على عرش من السكون المُصدّف بيوميات كل ما فيها بصريّ وشائك.

معارض تهجس بالجمالي أكثر من اهتمامها بمضامين الأعمال

وتبدو أيضا شخصيات الفنان منهمكة في أعمالها اليومية غير مكترثة بما يحيط بها أو يمسّها من كوارث، بل متعايشة معها، فحمل خيمة، كمكان مؤقت للسكن ليس بحمل ثقيل يحمله بطل اللوحة المعنونة بـ”الفلاح”.

ونذكر أيضا معرض الفنانة لينا عزالدين في صالة “أجيال”، حيث رسمت الأولاد الذين علّمتهم في بلدتها عرسال اللبنانية، ولكنهم في لوحاتها ظهروا مثل كل الأولاد الذين ضاق ذرع المارة بهم، وبما يمثلونه من ضياع عام لجيل عربي لجأ إلى الشوارع، ليس فقط في بيروت، بل في باقي المدن والقرى العربية.

وعلى الرغم من أن خلفيات اللوحات مقصود بها بلدة عرسال، إلاّ أن معظمها تبدو وكأنها تمثيل لمساحات مُجردة من الصفات طغت عليها ألوان داكنة، مساحات لا يملكها أحد ولا هي تنتمي إلى جغرافيا محدّدة، ومن هنا جمالية هذه الخلفيات وانفتاحها على إحالات بحجم الوطن العربي ككل.

والخاصية الثانية التي حضرت من خلال بعض المعارض في بيروت هذا العام، هي تلك التي جعلت من الفنان ساردا بصريا لصفحات حميمة من مدوناته الشخصية، وذلك في معرض عام بغض النظر إن كان زائر معرضه قادرا على التواصل مع ما قدّمه أم لا، غير أن ذلك لم يكن من أهمية الأعمال أو التجهيز بقدر ما وضعه بشكل جليّ في خانة مخاطبة الذات، أولا وأخيرا.

من هذه المعارض نذكر معرض الفنان آلن فاسويان في صالة “جنين ربيز”، عنونه بـ”إعادة بناء فينوس”، وجاء المعرض الذي ضم مجسمات كنوع من تكريم، أو استعادة نوستالجية “أبوكاليبتيكية” لحبّه الأول، عندما كان في سن الطفولة.

وفي المقابل، لن يعرف المشاهد ماذا يجري هناك في المعرض، إلاّ أنه فوران ومن ثم اجتياح لصور داخلية اكتظت في نفس الفنان فطافت على السطح، على أرض الصالة.

ومن نوع هذه المعارض نذكر “تقاسيم غير مكتملة” للفنانة غريتا نوفل، والتي بطريقتها الخاصة كرّمت والدها الموسيقار وعازف العود جورج نوفل الذي تتلمذ على يد فريد غصن عازف العود الشهير، بمجموعة من اللوحات والأعمال التجهيزية التي تدور كلها حول منجز الوالد الموسيقار الذي غابت الكثير من أعماله تحت ستائر الإهمال الغليظة.

التلاقح الناجح

يُمكن القول إن خاصية “التلاقح” الناجح هي من أهم ما برز خلال هذه السنة على الساحة الفنية اللبنانية أو التي احتفت بها بيروت من خلال معارض من خارج لبنان أيضا، والمقصود بهذه الكلمة الإشارة إلى عملية الدمج أو التكاتف ما بين طرائق وتقنيات عدة ضمن العمل الواحد أو التجهيز الفني الواحد لإيصال المعنى إلى المُشاهد.

ولعل صالتي “تانيت” و”مرفأ” هما أهمّ صالتين عرضتا هكذا نوع من الأعمال، أعمال بصرية جدا، ضمت صورا فوتوغرافية إلى جانب نصوص، وأفلام فيديو آرت وتجهيز على أرض الصالة وغيرها من الوسائط في خدمة إيصال معنى لأفكار استثنائية أو مواضيع شائكة يستطيع الزائر أن يتصرف بها أو يحوّرها كيفما يشاء، مثلما يكون أمر التعامل مع معظم الأعمال المفهومية.

وقدّمت هاتان الصالتان أعمالا غنية جدا من هذا المنظار وخلافا لبعض صالات أخرى كصالتي “صفير-سملر” و”مركز بيروت للفن”، اللتين واظبتا على تقديم معارض “مُتعالية”، أو نخبوية لا يهمها إن قرأ المُشاهد، أو لم يقرأ شيئا البتة.

معارض لبنان قامت على تعميم تجربة الأزمة السورية، لتصبح أزمة عامة يتأثر بها الجميع وتنتج عنها ردات فعل متنوعة

ومن المعارض التي قدمتها صالة “تانيت” نذكر المعرض المُشترك الذي حمل عنوان” الأصوات المتباعدة في الطبيعة، يجمعها الفن”، وفي المعرض أعمال مختلفة ضمت صورا فوتوغرافية ولوحات، ومؤثرات صوتية، وفيديو آرت وتجهيزا فنيا، ونذكر أيضا معرضا لافتا للفنانة/المصورة الفوتوغرافية رندة ميرز، والذي حمل عنوان “الزهرة لم تولد البارحة”.

أما صالة “مرفأ” فقد أبدعت في تقديم عدة معارض مثل معرض الفنان أحمد غصن الذي يسائل فيه مبدأ الترسيم الحدودي بين المناطق في لبنان، ولا سيما في الجنوب اللبناني، حيث تغيب الحدود الفاصلة ما بين المساحات الخاصة والعامة، وبين المساحات الخاصة في ما بينها.

ومن المعارض التي قدمتها صالة “مرفأ”، نذكر أيضا معرضا لستيفاني سعادة بعنوان “المساحة الثانية”، عمل يسير في الدواخل الشعرية لمعنى الأمكنة وترابط الأجزاء أو تفككها.

وقدمت صالة “أجيال” بدورها معرضا تجهيزيا مُتكاملا جمع النصوص والخرائط والفيديو آرت و”اللايت بوكس” وغيرها من وسائط، بهدف إيصال معنى عام يُمكن للزائر أن يبلوره ضمن أطر حددتها الفنانة سارة بدر في عملها المعنون بـ”كان يا مكان”، عمل بالغ الحساسية مبني على خلفية القصة الخرافية المشهورة “الأميرة الحقّة وحبة البازيلا”، وعلى أفكارها المغسولة بصفاء طفولي حيث الشرّ في كفّة والخير في كفّة أخرى.

بدورها قدمت صالة “جانين ربيز” الفنانة كريستين كتانة من خلال معرض تجهيزي حمل عنوان “مسيرة النمل”، معرض يستحق أن يطلق عليه وصف الشامل/الكامل، إذ برعت الفنانة التي تبنت منذ بدايتها الفنية خط الفن المفاهيمي في الإحاطة ومن كل الجوانب بالموضوع الذي أرادت أن تعبّر عنه، لا بل وتمكّنت من أن تشدّ انتباه زائر المعرض، ليحاول أن يستكشف معها ومن خلال تنوّع المعروضات أصداء وأسباب ونتائج مسيرة النمل التي غزت خرائط الأعمال، كما تفعل الوساوس في ذهن من أراد وضع جميع النقاط على كل الحروف، مهما كان الثمن.

وعلى الرغم من هذا التأكيد على كون موضوع المعرض هو اللغة والتوق إلى التعرف على موقعها في إرساء التواصل من خلال وظائف الحواس مجتمعة، تبدو أعمال كريستين كتانة في حقيقتها دعوات مستحيلة ومشرذمة إلى احتضان الرغبة في إرساء معنى نهائي لأي شيء، لأي شخص ولأي نظام مُتبع في العالم إن كان ظاهرا أو مجهريا، والنظام هو الفوضى غير المجدية، أما الفوضى “الجدية”، إذا صح التعبير، فتبدو في معظم أعمالها، السبيل إلى استقرار المعنى ومن ثم الرضوخ إليه كحالة دائمة التبدّل والتحوّل.

هناك أيضا هذا العام، معارض بنكهة أخرى.. بنكهة جمالية شبه بحتة، منها ما نجح كثيرا في تقديم أعمال رائعة بصريا تجعل المُشاهد غير راغب إلاّ في الدخول إليها والتجوّل في أرجائها، ومن هذه الأعمال ما قدّمه الفنان أسامة بعلبكي في صالة “أجيال” تحت عنوان “مرافعات للضوء”.

فتح الله زمرود يرسم العالم باهتا والكائنات شبحية

أعمال قريبة من الواقعية السحرية، واقعية امتصت رحيقا ضوئيا بالغ الحسية من أزهار الفنان الداخلية التي لم تكفّ يوما عن النموّ بصمت لا تغادره الابتسامة، ودائما على حافة ما بين الذاكرة الغارقة في الحنين والحاضر “المُتفرّج” على تحوّلاته بعطش لا ينضب.

وأسس بعلبكي وبنى في معرضه هذا صورا لواقع بيروتي مشبوه، مشبوه نتيجة الشك، شك الفنان أمام الواقع وإعادته النظر إليه، إن كان متمثلا بمشاهد طبيعية أو مدينية، هو شك دائم ولجوج لا ينفك ينقذ الفنان من نقمة التكرار.

واستقدم الواقع إلى لوحاته في رسمه لشوارع من منطقتي الصنايع والحمرا، ولكن ليس من دون أن يدسّ محلولا سحريا، ركّبه في محترفه الفني، في أجوائه الليلية ما قبل المغيب، أجواء تحوّلت تحت أصابعه آثرة ونابضة بالروح المُثقلة برطوبة جوّ بيروت وبتلبّد ذاكرتها “بوعكاتها”، إن صح التعبير.

جماليات منقوصة

من المعارض الفنية التي ربما لم تنجح تماما أو البتة في تقديم أعمال جمالية بكل ما تعني الكلمة من معنى، ولم تستطع في الآن ذاته أن تقدّم “مضمونا” دسما، نذكر معرضين بشكل خاص، الأول هو للفنانة فادية حداد، والثاني هو للفنانة ريما أميوني.

وعرضت الفنانة فادية حداد مجموعة أعمال فنية بأحجام مختلفة انتشرت على الجدران البيضاء تحت عنوان “وجهاً لوجه”، وقد يستسيغ معظم الزائرين إعطاء عنوان آخر للمعرض أكثر إشارة إلى ما شاهدوه، وهو “أصباغ لونية وأكريليك على قماش”.

لوحات لا يمكن النظر إليها دون العثور على سمات تجريد لا يتوقّف عند حدّ ما، بل يتمادى ليكون تجريدا لتجريد ثان كاد يمسخ لوحات الفنانة ويسلبها تماما من أيّ معنى، شكليا كان أم معنوياً.

حاولت حداد أن تقيم خلطة، بين الثيمات المفضلة التي اشتغلت عليها سابقا كالأقنعة والعصفور، وربما تكمن القيمة شبه الوحيدة لهذا المعرض في فعل المحاولة، لا أكثر ولا أقل.

كما قدمت صالة “أجيال” في معرض آخر الفنانة اللبنانية ريما أميوني من خلال لوحات تحت عنوان “الفردوس المُزهر”، لوحات ترزح تحت ثقل ألوان سميكة تشقها الخطوط والفراغات المُشكلة للهيئات، لوحات تحاصر نظر المُشاهد وتذكرّه دائما بأنها مادة مُصنّعة وليست جسرا أو نبضا أو وميضا يعبق بدلالات خارج محدوديته الحسية، فمعظم لوحات الفنانة ريما أميوني تقول للمشاهد “أسرع، خذ ما ترى، أتمنى لك نهارا سعيدا، وإلى اللقاء في معرض قادم”.

15