مشروع عربي لمواجهة الأطماع الفارسية والتركية

السبت 2017/12/30

لم يعد أمام العرب إلا إحياء مشروعهم القومي الذي ظهرت بوادره في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فاليوم تجد الأمة العربية نفسها أمام مخاطر تقودها مشاريع إقليمية توسعية: مشروع فارسي إمبراطوري يخترق المنطقة مرتديا عباءة الطائفية المذهبية، ومشروع قومي طوراني تركي يركب صهوة الحنين إلى الخلافة العثمانية ومعه قوى الإسلام السياسي المرتبطة به وفي مقدمتها الإخوان المسلمين.

فنظام الملالي يهدد المنطقة العربية بشكل غير مسبوق، بمحاولاته السيطرة على القرار السيادي العراقي، وتدخله في الشأن الداخلي لمملكة البحرين، وتحريكه لخلاياه النائمة في شرق السعودية ودولة الكويت، وبدعمه للمتمردين الحوثيين في اليمن، وباستغلاله الصراع الدائر في سوريا، وتمكنه من ترسيخ حضوره في لبنان عبر حزب عقائدي ينفذ أجندة الولي الفقيه مقدما النموذج الذي بات له مقلدون في أكثر من بلد عربي.

أما نظام رجب طيب أردوغان، فيقود مشروعه القومي ليستعيد تاريخ الغزاة العثمانيين في المنطقة العربية، معتمدا في ذلك على أتباعه وأنصاره من الإسلاميين الذين وجدوا في عاصفة ما سمي بالربيع العربي مجالا للصراع عن السلطة والعمل على اقتناصها سواء في تونس أو ليبيا أو مصر أو سوريا أو اليمن، وكان من أولويات المشروع الإمساك بزمام قيادة المسلمين السنّة من خلال استهداف المملكة العربية السعودية، والعمل على تحييد الدور السياسي والحضاري المصري، واختراق الشام والخليج والتمدد نحو المغرب العربي، واقتحام الجوار الأفريقي، وبعد أن دشن أردوغان قاعدته العسكرية بقطر، اتجه إلى السودان ليمضي اتفاقا مع الرئيس عمر حسن البشير يقضي بالحصول على حق التصرف في جزيرة سواكن بالبحر الأحمر، قبالة الساحلين السعودي والمصري.

العرب اليوم أمام مشروعين إقليميين يسعيان للتوسع على حسابهم، يضاف إليهما المشروع القومي الصهيوني الذي ينتظر اللحظة المناسبة للتمدد في المنطقة، كما سبق له أن فعل في يونيو 1967 عندما احتل سيناء المصرية والجولان السورية والقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

واليوم تبدو منطقة المشرق والخليج العربيين مهددة أكثر من غيرها، لأسباب عدة أهمها مقدراتها الاقتصادية والمالية ومنزلتها الروحية والثقافية، وكذلك الأمر بالنسبة لمصر التي يدرك الأعداء قبل الأصدقاء، أنها مركز الأمة وقوتها الضاربة وقلبها النابض، وأن وضع اليد عليها، يعني وضع اليد على الوطن العربي، خصوصا بعد ضرب البوابة الشرقية للأمة، العراق، وتدمير سوريا والوصول بها إلى ما أضحت عليه اليوم.

ولكن كيف سيواجه العرب هذه التهديدات المعلنة؟ الجواب المنطقي يقول إنه لا بد من إحياء المشروع القومي العربي لأنه الوحيد الذي سيعلو فوق الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية والجهوية والطبقية، وسيجمع أثرياء الأمة وفقراءها، ومسلميها ومسيحييها، وسنّتها وشيعتها، ومشرقها ومغربها في ظل مشروع تقدّمي، يوحد الأهداف والوسائل ويذكي المشاعر ويحيي الأحلام ويعيد صياغة الواقع على أسس حضارية وثقافية متجذرة في هوية قومية واحدة قادرة على قطع الطريق أمام الأطماع الخارجية والمؤامرات الداخلية وحالة الانقسام المجتمعي التي تعرفها أكثر من دول عربية.

يستطيع العرب اليوم أن ينتبهوا إلى المخاطر المحدقة بهم، وأن يتجنبوها عبر مشروع سياسي موحد يفضي إلى تكامل اقتصادي، وإلى خطاب ثقافي تقدمي يعلو على جميع الخلافات السابقة، وأن يصبح الحديث عن العروبة متقدما عن جميع الهويات الإثنية والثقافية الأخرى، وأن يضع العرب لأنفسهم خطة إستراتيجية قادرة على بعث الأمل في الشعوب، وعلى استعادة النخوة القومية في نفوس الجماهير، وأن يتم تقليص الهوة بين أثرياء العرب وفقرائهم ضمن برنامج قومي لاستثمار مقدرات كل بلد عربي في إطار تكاملي.

قبل سنوات كان الحديث عن مشروع قومي موحد مزعجا للكثير من الأنظمة العربية، أما اليوم فالوضع مختلف، ونحن أمام خطر متعدّد الأوجه والأهداف والأدوات، والاعتماد على القوى الخارجية الصديقة لم يعد مجديا، والدولة الوطنية مهددة في كيانها، والمتآمرون الخارجيون والداخليون بالمرصاد، والآخرون الذين يواجهوننا بمشاريعهم القومية التوسعية، سواء كانت فارسية أو تركية أو إسرائيلية، لن نستطيع التصدي لأطماعهم إلا بمشروع قومي يعيد للأمة هيبتها، ويحقق لها الموقع الذي هي أهل له.

كاتب تونسي

9