عقم طائفي

الأربعاء 2018/01/03

يشكل التعدد والاختلاف في المباني اللغوية والدينية والثقافية قاعدة أساسية في المجتمعات الإنسانية، وهيكلة الدول عبر التاريخ، ساهمت في تشكلها عوامل حضارية وسياسية معقدة، تقف في طليعتها ظواهر الفتوح والغزوات والهجرات الجماعية (الطوعية والقسرية) عبر جغرافيات الكون.

وبناء عليه فإن التعدّد الثقافي واللغوي والديني معطى اجتماعي وتاريخي طبيعي وغير قابل للجدل، بيد أن ما يستدعي المساءلة هو قيم وخلفيات “القبول” بهذا التعدّد أو “استبعاده”، و”الاعتراف” به أو “إنكاره” من قبل المجتمعات والكيانات السياسية المتشكّلة عبرها والمتحكمة فيها، وبتعبير آخر، فإن “التعدّد” واقع، بينما الإقرار به أو رفضه هو موضوع الصراع الاجتماعي والسياسي عبر التاريخ.

وتبعا لذلك تبرز على الدوام كل مفاهيم نبذ الغيريّة في تلازم مطرد مع تنامي ثقافة الانعزال، مفاهيم العنصرية الجنسية والعرقية والدينية واللغوية والجغرافية في كل أدبيات الهوّيات المتمركزة، من الخطاب السياسي إلى التاريخ والتصانيف العقائدية، بيد أن ما يبدو جديرا بالانتباه دوما أن الخطابات الجمالية بأجناسها المختلفة لا يمكن أن تزدهر في ظل الثقافات العنصرية والطائفية المغلقة، بحيث لا يمكن أن تنتج المسرحيات والأفلام والروايات والقصائد الشعرية إلاّ على سبيل البروباغندا الضعيفة، التي لا تدخل في يوم ما تاريخ الإبداع الإنساني.

وقد برزت إلى الوجود على الدوام تحليلات نظرية عديدة تقرن ولع التخييل برغبة التواصل، وامتحان قدرة الذات العميقة على إدراك البدائل والأقنعة والنظائر في العالم، أي قدرتها على استيعاب خصوصية الأحاسيس والعواطف والأفكار في اقترانها بمسارات متباعدة ومصائر متناقضة وهوّيات ملتبسة.

وبناء على هذا النحو من الافتراض يمثُل تاريخ الأدب بوصفه انزياحا متراسلا لأنساق تمثل الشخوص والظواهر الإنسانية المحيطة بالرؤية الفردية، وتقلبا مطردا لصور جدل تلك الرؤية مع مقابلاتها، وصراعها مع مقومات هويتها وانتمائها في المجتمع والثقافة.

ولهذا فحين نتحدّث عن كون مشاريع الإسلام السياسي بشتى درجاتها وتلاوينها هي مشاريع لمصادرة التعدّد بنزعة طائفية تسلّطية، ومن ثم فهي بغير أفق ثقافي، فلأن الدعوة إلى عقيدة الجماعة كيف ما كانت هويّتها هي دعوة لعقيدة طائفية، إما سنية وإما شيعية، بجوهر سياسي، وليست دعوة لإسلام متعال، من الإخوان المسلمين إلى حركة النهضة إلى حزب الدعوة الشيعي، قد تجد أيديولوجيين بمراتب مختلفة عاجزين عن إنتاج مشترك ثقافي مع العالم.

واليوم حين نعيد التأمّل في ما يجري في إيران من أحداث غضب وتظاهرات، لا يمكن اعتباره حدثا طارئا في بلد لم تفتر فيه الاحتجاجات ونوازع الرفض لنظام التسلّط الديني الطائفي (باسم ولاية الفقيه) منذ الإطاحة بنظام الشاه، ففي كل مرة كانت تطفو على السطح حركات احتجاج وتمرّد وعصيان مدني، وحين تزدهر خطابات إبداعية حقيقية في تربته، فإنما لكي تعارض هذا النظام وتنتقد نسقه التسلطي الانعزالي.

15