كل عام وجدتي معي

الأربعاء 2018/01/03

لا شك ان لكل شخص منا معتقداته وأفكاره الخاصة.. قد تكون كبيرة متأصلة مشتركة مع آخرين (مثل الدين والمذهب والأيديولوجيا والثقافة الخاصة بالمكان أو الموروث الشعبي والتقاليد والأعراف.. إلى آخره).. أو قد تكون صغيرة خاصة لا تشبه سواها.. وهي تلك التي تأتي من تجارب شخصية وتراكمات لمعارف فردية ومشاهدات وقراءات..

وبحسب قانون الطاقة.. فإن كل ما نؤمن به ونجعله جزءا من ماضينا إنما يصبح غرسا لآتٍ لا يحتمل الجدال.. ونصبح بطريقة أو بأخرى مسؤولين عن وجوده في حياتنا باستدعائه إليها.. مهما كان تافها عابرا أو صميما دامغا..

وقد يجد البعض أنه تنبؤ بما سيأتي.. بينما يفسره علماء الطاقة بأنه استقطاب.. ومثال ذلك من يقع تحت وابل القلق الأعمى ويصر أنه غير مرتاح ويشعر بأن شيئا سيئا سيحدث.. إنما يجد الشيء السيء يتبدى أمامه ويبقى يصرّ “كنت أحس كنت أعلم”.. ويأتي الصوت الآخر معاتبا “لماذا لم تدع هواجسك جانبا وتصر على عدم مطاوعة تحليلاتك المنطقية العقلية للأشياء بأن تقحم ابتسامتك وسط حقل الألغام الذي زرعه التوجس.. ليكون بداية السلام والراحة فيك؟”.

ولكل منا قصة وهاجس شخصي يؤمن به.. وبالحديث عن المعتقدات الشخصية فأنا مثلا لدي قائمة طويلة من الأشياء التي أصر أنها حقيقية وتحدث دائما!.. ومن بينها مثلا رحيل من نحب ومن يحبنا.. فمن يحب الآخرين والحياة ويملك قلبا صافيا نقيا يختار لحظة رحيله بعناية.. وبالعكس منه الحاقد الحانق!.. وعلى الرغم من كل الشرح والتوضيح والأسباب والمسببات والظرف والقدر ومشيئة الله والقسمة والنصيب.. يبقى كل حدث إنما يحدث لسبب.. هكذا تعلمت وهي خبرة شخصية تخصّني وحدي ربما.. وقد أجد من يؤمن بها معي ويستمتع بتكرار سردها واستقطاب ما يجيء منها وما سيحدث مستقبلا..

وأعود لأحكي عمّن رحل وغادرني وهو عزيز.. جدتي الحبيبة.. الأم الكبيرة التي ربت الجيل الأول والثاني والثالث.. والتي كان يعشقها الصغار والكبار.. وكانت تحب الكل وتمنح مشاعرها للجميع.. ففي ليلة رأس السنة من عام 2009.. وبعد احتفال صغير مع من تبقّى من الأسرة في بغداد الحبيبة.. ترتبك صحة الأم الكبيرة فجأة ودون سابق إنذار أو تحذير.. لتغمض عينيها إلى الأبد عن عمر ناهز الخامسة والثمانين.. ويصحو الجميع صباح يوم الأول من كانون الثاني/ يناير على خبر الرحيل المفجع.. ويكون العزاء في أربع عواصم في العالم.. ويبكيها الصغير والكبير والقريب والبعيد..

الموت حق.. وبعد أن أصحو من فاجعتي اسأل نفسي “لماذا وكيف رحلت في هذا اليوم تحديدا؟.. كيف اختارته دون سواه؟.. هل هي صدفة؟.. أم قدر محض؟.. وكيف سيكون شكل هذا العام وقد بدأناه بهذه الفاجعة؟”..

بيد أن الأيام قد أثبتت عكس ما كان.. فلا يهم كيف وأين ومع من سنقضي هذه الليلة.. المهم أن نؤمن بحقيقة أننا نملك سعادتنا بأيدينا مهما كان الظرف.. والأهم أن أعي بعد حين أن جدتي الحبيبة اختارت ذلك التاريخ تحديدا لكي لا تخلق يوما للحزن لدى أي أحد ممن تحب!.. فهي تريد لنا الفرح والحياة.. وسنبقى نتذكرها في بداية كل عام وندعو لها بالرحمة والمغفرة ونحن سعداء مبتهجون بحلول عام جديد..

كل عام وأنتم أكثر تفاؤلا وحبا للحياة..

شاعرة عراقية

21