سقوط ورقة التوت عن نظام الملالي

الخميس 2018/01/04

انتفاضة الشعب الإيراني التي انطلقت في 27 ديسمبر الماضي ضد نظام الملالي، كسرت حاجز الخوف، وتجرأت لأول مرّة منذ 30 عاما على القدسية المزيفة لمقام الولي الفقيه، واستطاعت أن تعلن أمام العالم أن الغطاء الديني أو الطائفي لم يعد يوفر أي حصانة للطغمة الحاكمة، وأن أوهام التوسع القومي الفارسي على حساب دول أخرى، لم تفلح في وأد رغبة الجماهير ليس في الحرية فقط، وإنما في الاستفادة من ثرواتها ومقدراتها، والتنعم بالرفاه والحق في الحياة الكريمة.

كثيرون هم الذين لا يعلمون أن حوالي نصف الشعب يعيش تحت خط الفقر، ولجنة الخميني للإغاثة تعترف بوجود 11 مليون إيراني يحتاجون للمساعدات العاجلة، وفي محافظة بلوشستان في شرق البلاد، يواجه 80 بالمئة الفقر المدقع، كما هناك 200 ألف مشرد في شوارع طهران لوحدها، وفي يناير 2017 قررت وزارة الصحة الإيرانية حقن الفقراء والمشردين في إيران بإبر خاصة للعقم لمنعهم من التزايد، تنفيذا لطلب صادر عن مسؤولين في حكومة حسن روحاني، في محاولة منهم لمواجهة ظاهرة الفقر المستشري في البلاد.

إن إيران اليوم، هي إحدى الدول الأولى عالميا في تجارة البشر وتجارة الأعضاء واستهلاك المخدرات والعنف الاجتماعي، إضافة إلى الفقر والبطالة والتهميش ومصادرة الحريات في بلد يعتبر من أثرى الدول على وجه الأرض، إلا أن مقدراته تتعرض للنهب من قبل الملالي، ومن أذرع المرشد العام الأمنية والعسكرية والدعوية والإعلامية في داخل البلاد وخارجها.

فالمواطن الإيراني الذي يفتح عينيه صباح كل يوم على وضع مأساوي، يقوم على أن المليارات من النفط والغاز والمعادن الثمينة والصادرات الصناعية والزراعية والاستثمارات المتعددة، تذهب إلى جيوب القطط السمان في الداخل، وإلى ميليشيات مسلحة وحركات طائفية وجمعيات دعوية ومؤسسات إعلامية في الخارج، وأن الملايين من غير الإيرانيين يعيشون بأموال إيران حياة أفضل من المواطنين الأصليين، فقط لأن الولي الفقيه لا يزال يعمل على تصدير الثورة، ولا يزال يحلم بالتوسع القومي على حساب الدول الأخرى، وخاصة منها العربية، سعيا لاستحضار التاريخ القديم بدءا من قورش الأكبر، المذكور في القرآن باسم ذي القرنين، والساسانيين الذين وصل نفوذهم إلى مصر وشرق ليبيا في القرن السابع قبل الميلاد.

إن الشعب الإيراني المنتفض اليوم على نظام الملالي، لم يطلب أكثر من حقه في أن يخرج من بوتقة الكهنوتية الظلامية التي مزقت نسيج المجتمع وقمعت المرأة وأحبطت الشباب ووأدت روح الإبداع وطمست الحضارة العظيمة لأمة عريقة ولشعوب وقوميات تشكلت منها دولة إيران الحديثة.

كما أن الشعب الإيراني كان على حق، عندما رفع شعارات أكد من خلالها أنه الأحق بثروات وطنه، وبمقدرات بلاده، من أي طرف خارجي مهما كان مواليا لولاية الفقيه، وعندما هتف بسقوط النظام، لأنه يدرك أن إيران الحالية لن تتغير ولن تتجاوز مسرحية الانتخابات المزيفة، ولا الصراع الكاذب بين محافظين وإصلاحيين، فروحاني الذي قدم نفسه على أنه من رموز الإصلاح، كان قبل الانتخابات يندد بسطوة بالحرس الثوري، وعندما وصل الرئاسة بات يدعو إلى الترفيع في موازنته على حساب متطلبات الشعب.

كشفت ثورة الشعب الإيراني الورقة الأخيرة عن نظام الملالي، وأثبتت أن الصورة التي كان يصدرها هذا النظام، كانت معجونة من الزيف والخداع، وكانت تغطي واقعا اقتصاديا بائسا، وخرابا اجتماعيا حقيقيا، ودكتاتورية سياسية، وجدت من النخب العربية، وخاصة منها اليسارية والقومية، من يشيد بها، فقط لأنها تمثل النموذج الذي تطمح تلك النخب لتكريسه في بلدانها عندما تصل إلى السلطة، أو لأن هناك من يعتقد أن خامنئي يمكن أن يكون أقرب إلى العرب من العرب، وربما لأنها وجدت في هتافات “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل” ما أشبع لديها نزعات لم يعد لها صدى في محيط عربي مهموم بمشاغل تتجاوز تلك الشعارات.

لذلك سيكون على المنصفين من العرب العقلانيين أن يدعموا ثورة الشعب الإيراني، خصوصا وأن الأحداث المتسارعة خلال الأيام القليلة الماضية كشفت عن طبيعة النفاق الدولي وخاصة في أوروبا التي اختارت عواصمها الصمت نحو ما يحدث في إيران، بعد أن كانت السباقة إلى دعم ما سمي بثورات الربيع العربي في العام 2011 وما بعده، إذ يبدو أن المصالح الاقتصادية والتجارية لبعض الدول مع طهران دفعتها إلى التخلي عن مبادئها في ما يتعلق بدعم ومساندة الشعوب التائقة إلى الحرية.

وسيكون على عرب كثر أن ينزعوا الغشاوة عن أعينهم، وأن يدركوا أن نظام الملالي لم يكن في يوم من الأيام عنصر استقرار في المنطقة، ولا صديقا للعرب، وإنما كان سببا رئيسا في أغلب ما جرى ويجري في الوطن العربي من فتن طائفية ومذهبية وصراعات دموية، ومن إهدار لثروات الأمة في معركة التحصن من مخاطر التدخل الإيراني في بلاد العرب.

كاتب تونسي

8