الفلسطيني المُجنّح

الجمعة 2018/01/05

منذ فترة قصيرة انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعية صورة للفتى الفلسطيني فوزي الجنيدي لحظة اعتقاله من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي في مدينة الخليل، وذلك خلال مظاهرات مندّدة بالقرار الأميركي بشأن مدينة القدس العربية.

ليست هذه الصورة هي الوحيدة التي توثّق وحشية الجنود الإسرائليين، إنما هي واحدة من آلاف الصور، غير أن ما رفعها إلى مستوى الرمز، أو الأيقونة هو تضافر عدة عناصر أهمها: أولها، أن الصورة وثّقت إقدام أكثر من 15 جنديا إسرائيليا على اعتقال فتى فلسطيني لا يتخطى عمره السادسة عشر ربيعا في مشهد لا يخلو من السخرية، حيث قدم هؤلاء الجنود المدجّجون بأسلحتهم، ومن حيث لا يدرون، مشهدا نمطيا/واقعيا عن الجندي الإسرائيلي الجبان الذي يرى في مهمة القبض على يافع فلسطيني بطولة تتطلب استنفارا عسكريا متمثلا أقلّه بتكبيل يديه وراء ظهره تفاديا لهروبه، أو “طيرانه” من قبضتهم.

ثانيا، ظهر الفلسطيني صغير السن ورشيق القامة إضافة إلى يديه المكبلتين، معصوب العينين يحتشد من حوله جنود في التصاق جسديّ متشنّج يؤكد خوفهم من خسارتهم للغنيمة الجمّة التي تطلّب القبض عليها الكثير من القوة والحظ المحطم للصخر.

أما العنصر الثالث فيكمن في غياب لكلّ مظاهر الخوف عند الفتى، ويجيء العنصر الرابع مجسدا من ناحية في شكل وجهه ذي الفك المربع الدال على شخصية قوية، ومن ناحية أخرى في توجه رأسه إلى الأعلى بحركة نبيلة في محاولة لتلمّس ما يحدث من حوله، أضيف إلى ذلك أن الخصلة الوحيدة المائلة إلى الحمرة من أعلى شعره أعادتني بلمح البصر إلى دفء طفولة لم تتخلّ بعد عن براءتها.

عدد كبير من الرسومات خلّدت هذه اللحظة، غير أن أكثر ما لفتني هو عمل مجهولة هوية صاحبه تظهر فيه الصورة الفوتوغرافية ذاتها، ولكن مع إضافة جناحين واسعين على كتفيّ الفتى، يغلب عليهما لون الأخضر العسكري، وهما “مرصّعان” بنقاط بيضاء اللون، وفورا أخذتني هذه الصورة إلى عملين مهمين في تاريخ الفن.

الأول هو للفنان الفنلندي هوغو سمبرغ ويحمل عنوان “الملاك الجريح”، لوحة تمثل صبيين ملامحهما كئيبة تميل إلى الشر، يقومان في ثيابهما داكنة اللون بنقل ملاك فتي وجريح ومعصوب العينين على حمّالة إلى مكان مجهول، وأحد الصبيين ينظر إلى المشاهد بنظرة مشاكسة توقع فورا الالتباس في نظر المُشاهد؛ هل هي فعلا عملية إنقاذ لملاك جريح، أم هو أسر تمّ بعد إلحاق الأذى به؟

الفنان عرض هذه اللوحة دون أن يقدم لها تفسيرا ولم يضع لها عنوانا، وبهذا ترك باب التأويل مفتوحا على مصراعيه، وأمضى سمبرغ سنين عديدة قبل أن ينجز اللوحة، أما الرسومات التحضيرية لها فتظهر ملاكا في مقطورة تدفعها شياطين صغيرة.

أما العمل الثاني الذي ذكرتني به الصورة المشغولة، والتي أحب أن أطلق عليها عنوان “الفلسطيني المُجنح”، فهو صورة فوتوغرافية واقعية جدا وبالأسود والأبيض للمصور التشيكوسلوفاكي جوزيف كوديلكا، كان قد قدّمها من ضمن مجموعة صور أطلق عليها عنوان “الغجر”، صور في معظمها تجسّد المآسي الإنسانية حتى وهي تتّشح بابتسامات باهتة.

يظهر في الصورة صبي حزين ووجهه مُتّسخ بعض الشيء، صبي في سن فوزي الجنيدي، عيناه تنظران في الفراغ، وبلباسه الأبيض الذي أضاف إليه جناحين بيضاوين، يركب دراجة هوائية صدئة، حيث التقط له المصوّر هذه الصورة من ذات زاوية النظر التي اعتمدها الفنان سمبرغ في تشكيل لوحته.

وإذا كانت صورة جوزيف كوديلكا ولوحة الفنان هوغو سمبرغ ترشحان بسوداوية عارمة، وبتشابه منقطع النظير، فالصورة الفوتوغرافية للفلسطيني المُجنّح تأخذ ثأرها منهما، لأنها تستخرج من صورة الأصل نسغها لتنسف بها صفة القوة عن المعتدي، بشرا كان أم حالة سقيمة وتعلن انتصارا ما ورائيا مجنحا بهيئة صبي فلسطيني، اسمه فوزي.

ناقدة لبنانية

17