أنصتوا للأردن..

الجمعة 2018/01/05

بعد تصويت كتلة حزب الليكود الإسرائيلية يوم الأحد الماضي على تمرير مشروع قرار ضمّ المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية إلى القدس الشرقيّة، وهو التصويت الذي أعقب بأيام قليلة مصادقة الكنيست على قرار استبعاد القدس من أي مفاوضات إسرائيلية فلسطينية قائمة أو قادمة، لا بدّ من النظر إلى قمة وزراء الخارجية العرب بالأردن التي ستعقد في السادس من يناير الحالي بكثير من الاهتمام والانتباه.

هناك حيرة وارتياب في العاصمة الأردنية عمّان من الإدارة الأميركية الجديدة ومن قراراتها التعسفية، ومن مشهدية التماهي والانصهار بين الرباعي الأميركي دونالد ترامب وجيراد كوشنير وديفيد فريدمان وجيسون غرينبلات، والثلاثيّ الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان.

القلق الأردني المتزايد، مرجعه لا فقط “التقاء صقور إسرائيل بالصناعة الحقيقية للإيباك في واشنطن”، وإنما أيضا إلى انعدام وجود تفهم عربي رسمي للموقف الأردني، وخلو خزان الخيارات العربية من بدائل لردع إسرائيل، ولإجبار واشنطن على التقهقر خطوة إلى الوراء.

تدرك عمّان أن حزمة القرارات الآتية من واشنطن وتل أبيب ستتراكم عليها سلبيا وبشكل يفوق قدرتها على التحمّل.

فقرار إعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، يتجاوز بكل عنهجية وصلف الرصيد الاعتباري والرمزي والديني الذي يتمتّع به الأردن باعتباره الوصي التاريخي على المقدسات الإسلامية في الأقصى والقدس الشريف.

إضافة إلى أن قرار ضم المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية إلى القدس الشرقية المحتلة يستهدف نهائيا وبشكل كامل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، بما يعني التوطين الكامل لنحو 3 ملايين فلسطيني، واستدرار أزمة عميقة وهيكلية تضرب في العمق النسيج المجتمعي.

صحيح أن وضعية اللاجئين الفلسطينيين في المملكة الأردنية تعتبر واحدة من أفضل وأحسن الأوضاع بالمقارنة مع الوضع البائس في لبنان، والتعيس حاليا على الأقل في سـوريا، وصحيح أيضا أن اللاجئ الفلسطيني في الأردن يتمتع بالحقـوق المدنية والسياسية والاجتماعية الكاملة، ولكن الصحيح أيضا أن حزمة الحقوق كانت بعنوان تأمين مقومات الحياة الكريمة إلى حين العودة إلى الديار المسلوبة، وليس تحت مقولة التوطين الدائم أو المستمر.

ولئن حملت بعض مقابلات كرة القدم في عمان، وبعض الصدامات في الجامعات الأردنية بذور التباين والهوّة – لا سيما مع غياب صوت العقل أو ضعفه- فإنه لا أحد يستطيع تـوقع سيناريوهات اشتعال الشرارة المجتمعية، ولا استشراف مداها أو آليات تطويقها.

من حق الأردن أن يدق ناقوس الخطر وأن يدعو إلى اجتماع وزاري سداسي (الأردن وفلسطين والمملكة العربية السعودية ومصر والمملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة)، بحضور الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، فتداعيات التصعيد الأميركي الإسرائيلي ثقيلة وخطيرة وتفرض على المنتظـم العربي الانخراط في خطوات إجرائية تفوق بيانات التنديد والرفض والشجب.

تدرك عمان جيّدا أن القرار الترامبي في المحصلة يضرب في العمق حل الدولتين ويمهد بشكل قوي وعلني لحل الدولة الاستيطانية العرقية الدينية الواحدة على أرض فلسطين حيث يفرض ويجبر فلسطينيي الداخل – عرب 1948 – على الهجرة أو التهجير أو الأسرلة.

وهو بهذا الأمر يضع الأردن أمام خيار الكنفديرالية مع بقايا وأشلاء الضفة الغربية، أي العودة إلى خيارات ما قبل أوسلو 1993 على جغرافيا ما بعد تهويد القدس وابتلاع الضفة.

الوضع الأردني حساس جدا والحالة الفلسطينية رخوة جدا في ظل ضياع البوصلة وفقدان الاتجاهات والارتهان للقوى الإقليميّة.

على أن جزءا من الرهان يبقى معلقا على اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني يومي 14 و15 يناير الجاري لتسطير معالم المرحلة السياسية المقبلة ووضع العناوين الكبرى للمشهد الفلسطيني القائم، لا سيما وأن كافة الفصائل مدعوة لهذا الاجتماع المركزي، بما فيها تلك غير المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية ونعني بها الجهاد الإسلامي وحركة حماس والجبهة الشعبية- القيادة العامّة.

شكل محور حل الدولتين ومسار التفاوض مع إسرائيل العنوان الأبرز لكل المرحلة السابقة من تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية.

انتهى حل الدولتين وبات التفاوض مظلة للاستيطان والتهويد والأسرلة، ما يفرض على المجلس الوطني اعتماد وانتهاج مسلكية ومقاربة جديدة للصراع مع إسرائيل.

ولن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن قمة الأردن تحمل في طياتها استصراخ عمّان للقوى العربية الفاعلة في الملف الفلسطيني، وبث مخاوف مشروعة وشرعية لعواصم عربية كلها تتمتع بعلاقات اقتصادية وسياسية واستراتيجية كبيرة مع الولايات المتحدة، والبعض منها له علاقات جيدة مع إسرائيل.

لا يزال الأردن منضبطا للموقف العربي الرسمي وملتزما بمخرجات القمم العربية، إلى هذه اللحظة على الأقل.

ولكن هل سيبقى الأردن على وتيرته الهادئة في ظل استرخاء وخواء عربيين إلى ما لا نهاية.

لا نعتقد ذلك صراحة، ولكن ما نعرفه جيدا أن عمّان تمتلك أوراقا ضاغطة على تل أبيب وعلى واشنطن أيضا، تسمح مظلتها بتعليق اتفاقية وادي عربة الموقعة في العام 1994 والتقاطع مع لبنان الرسمي في الموقف والمـوقع من واشنطن خاصة وأن المبررات هي نفسها لدى البلدين، وقد تتوسع الدائرة إلى إبراق رسائل ود وتودد إلى محور طهران- دمشق- موسكو، عبر عدة وسطاء، حتى وإن كانت الرسائل من بوابة الغزل والزجل، لا من قاطرة التقارب الجدي والزواج العلني.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9