يناير 05, 2018

إعلانات أبلة فاهيتا تستفز الرقابة لكن الخسارة للفضائيات المصرية

انعكست تدخلات المجلس الأعلى للإعلام في مصر سلبا على رواج سوق الإعلانات في الفضائيات والصحف، بعد أن اتجهت الشركات إلى الإعلان على الإنترنت، تجنّبا للتقييد الذي فرضه المجلس. ويخشى مراقبون أن تؤثر حالة الرقابة المشددة على تدفق الإعلانات وبالتالي التأثير على مصدر الدخل الرئيسي للقنوات الفضائية.
أكثر من مجرد دمية

القاهرة - أثار تدخّل المجلس الأعلى للإعلام في إيقاف البعض من الإعلانات على الشاشات المصرية، أزمة جديدة لسوق الإعلان المتدهور أساسا بفعل منافسة مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر جماهيرية وأقل كلفة للمعلنين، ما تسبب في خسائر جديدة للقنوات الفضائية بسبب تضارب القرارات بين الجهات الرقابية المختلفة.

وتصاعد الخلاف بين المجلس الأعلى للإعلام وإحدى شركات الإعلان الكبرى في مصر، على خلفية قرار المجلس وقف إعلانات شركة “فودافون” للاتصالات الذي تقدمه شخصية “أبله فاهيتا” الساخرة بعنوان “النت ظالم” بحجة أنه يحض على السلوك السيء، ويحتوي على مشاهد لا تليق بالذوق العام.

وبرّر المجلس قراره لما يحتويه الإعلان من ألفاظ ومشاهد لا تليق بالذوق العام وتجانب القيم وتحضّ على السلوك السيء وتخدش الحياء العام، فضلًا عن هبوط مستوى اللغة.

وقال أحمد سليم أمين المجلس الأعلى للإعلام، إن “أزمة الإعلان كان من المفترض أن يتم حلها عقب لقاء رئيس الشركة بالمجلس الأعلى للإعلام والذي وعد بإصدار بيان يعلن خلاله عودة الإعلان إلى الشاشات مرة أخرى، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن”، لافتا إلى أن تحرك المجلس “جاء بعد رصد عرض مادة إعلانية تتنافى مع قيم وعادات المصريين”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن “المجلس ليس جهة رقابة سابقة، لكنه جهة متابعة ورصد لاحقة، وهذا الدور الذي يقوم به المجلس لا يفرّق بين ما هو إعلاني وما هو إعلامي، فالهدف وقف عرض المحتويات المسيئة وتنظيم الحالة الإعلامية بشكل عام، بالتالي فإن دور المجلس بالرغم من أنه ليس له علاقة بشركات الإعلان، إلا أنه يقع تحت طائلة شاشات العرض التي يقوم المجلس بالرقابة عليها”.

وبرر كثرة تدخلات المجلس الأعلى للإعلام، بالرغبة في وقف حالة الفوضى التي كانت تشهدها الساحة الإعلامية قبل إنشاء المجلس، واعتبر أنه بعد حوالي 6 أشهر من عمل المجلس هناك تغيّر ملحوظ بدا واضحا على الشاشة المصرية، وأن الإعلاميين أضحوا أكثر التزاما بالعادات والتقاليد، وانخفض منحى استخدام الألفاظ الخارجة.

5.5 مليون دولار قيمة الإعلانات التي تضخها فودافون في الإعلام سنويا

ورفض عدد من خبراء الإعلام والمتابعين هذه المبررات، مشددين على أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، والمنظم لعمل المجلس لم يكن من بينها إبداء الرأي حول محتوى أي عمل فني أو الرقابة على الأعمال الإبداعية، أو التدخل في المحتوى الإعلاني المعروض على شاشات الفضائيات.

وبالعودة إلى النص القانوني، يمتلك المجلس الأعلى للإعلام اختصاصات إدارية تنظيمية متعلقة بمنح التصاريح للإعلاميين وتلقي إخطارات تأسيس الصحف، وأخرى فنية تتعلق بالمحتوى مثل تلقي وفحص الشكاوى عمّا ينشر في الصحف أو يبثّ بوسائل الإعلام، ويكون منطويا على المساس بحياة الأفراد أو سمعتهم.

ويرى مراقبون أن هذه الاختصاصات لا تعني الإضرار بمصالح المعلنين ووسائل الإعلام، إذ يجب أن يتم إيجاد صيغة للتوافق بين الجهات المعنية، لمنع هذه الإشكاليات التي تكرّرت منذ تشكيل المجلس الأعلى للإعلام في عام 2016.

وتحمّلت وسائل الإعلام تبعات قرارات إيقاف الإعلان بخسارة الإيرادات الإعلانية، حيث قرّرت الشركة المعلنة وقف جميع حملاتها الإعلانية في جميع وسائل الإعلام والقنوات المصرية، اعتراضًا على القرار.

وقالت إن تضارب قرارات الجهات الرقابية في مصر دفعها للتوقف عن التعامل مع السوق الإعلاني المصري، بعد أن استجابت لمطالبات جهاز حماية المستهلك (حكومي رقابي) وقامت بتعديل الإعلان وعرضه في شكله الجديد قبل أن يصدر قرار المجلس الأعلى للإعلام بوقفه.

وذكرت شركة “فودافون مصر”، أن قيمة الإعلانات التي تضخها في وسائل الإعلام المصرية تبلغ 100 مليون جنيه (5.5 مليون دولار تقريبا) سنويا، وقيمة الإعلان الذي تسبب في الأزمة بلغ 10 ملايين جنيه (550 ألف دولار تقريبا)، ووقف بثه كلفها خسائر فادحة، لذلك هي غير مستعدة للمغامرة مرة أخرى. ويصبّ القرار التصعيدي للشركة المعلنة اعتراضا على ما صدر ضدها، في مصلحة المواقع الإلكترونية وشركات الإنترنت، التي ستستفيد من ارتفاع الإعلانات الإلكترونية، وقد حقق الإعلان نسب مشاهدة مرتفعة، على يوتيوب والصفحة الرسمية لشركة فودافون بلغت حوالي 13 مليون مشاهدة، عقب إيقاف عرضه على شاشات الفضائيات المصرية.

ولا تجد شركات الإعلان المصرية عقبات تذكر أمام فكرة تحوّلها نحو الإعلان الإلكتروني فقط، إذ سبق أن حققت التجربة نجاحا لإحدى شركات المياه الغازية في عام 2015، حيث لجأت إلى الفكرة خلال شهر رمضان في ذلك العام، عندما تم رفض عرض إعلانات دعائية لها على القنوات الفضائية، من أجل توفير أموال لتطوير أكثر من 100 قرية فقيرة، ونجحت في جذب أكثر من 10 ملايين مشاهد على الإنترنت.

وقال حسن علي رئيس جمعية حماية المشاهدين المصريين، إن السوق الإعلاني المصري عانى عثرات كبيرة الفترة الماضية، ومتوقع أن تستمر المعاناة مستقبلا، بعد أن انكمش سوق الإعلانات في وسائل الإعلام بجميع أنواعها إلى 300 مليون دولار سنويا، بعد أن وصلت في سنوات ما قبل ثورة يناير 2011 إلى مليار و200 مليون دولار سنويا.

وأوضح علي لـ”العرب”، أن انخفاض سوق الإعلانات أثر بشكل سلبي على الصحافة المصرية والتي تعاني ركودا في الوقت الحالي، ولجأت القنوات الفضائية إلى عرض المحتويات غير المألوفة لجذب أكبر عدد من المشاهدين، بالتالي الحصول على مادة إعلانية تعوض خسائرها، مؤكدا أن الاستثمارات الإعلانية في مواقع التواصل تعد الأبرز خلال الفترة الحالية.

وستكون القنوات الفضائية هي الخاسر الأكبر من هذه الأزمة، التي تأتي قبل أشهر قليلة من انطلاق الحملات الإعلانية المرتبطة بشهر رمضان المقبل ثم كأس العالم الذي تشارك فيه مصر للمرة الأولى منذ 28 عاما، وهو ما يؤثر على حجم الإعلانات المتوقعة في تلك الفترة، حال اللجوء إلى سوق الإعلانات الإلكترونية.

18