الساعة الخامسة والعشرون

الجمعة 2018/01/05

كنت دون العشرين من العمر حين قرأت رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للشاعر والروائي الروماني قسطنطين جيورجيو، وقد صدرت حينها عن دار اليقظة بدمشق، وترجمها عن الفرنسية المترجم السوري فايز كم نقش، وبقيت أحتفظ بتلك النسخة حتى يوم الاحتلال الأميركي للعراق، في مكتبتي التي بقيت هي الأخرى في بيت والدي بمدينة الحلة، حتى بعد أن أقمت ببغداد، بناء على طلب والدتي، إذ قالت لي “خذ كل ما تشاء واترك مكتبتك في مكانها”، مع أنها -رحمها الله- لا تقرأ ولا تكتب، ولا أدري أين هي تلك المكتبة الآن وماذا حل بها، بعد أن نقلها أحد أقاربي إلى بيته.

قبل أكثر من عقدين من الزمن، سألني أحد الصحافيين عن الروايات التي استأثرت باهتمامي خلال تجربتي في القراءة، فذكرت عددا من الروايات بينها “الساعة الخامسة والعشرون” وحتى هذه اللحظة مازلت عند إجابتي تلك.

كان رد فعلي على القراءة الأولى لهذه الرواية الاستثنائية، قد تمثل في دهشة، حيث أعجبت بها من دون أن أدرك أسباب هذا الإعجاب، بل لم أستطع أن أمسك بخيوط أحداثها أو مقوّمات بنائها، وانتابني شجن عميق على مآلات ومصائر أبطالها، حيث ظلّت صورة بطلها يوهان موريتز لا تفارقني، فهذا الإنسان البسيط الطيب، يتعرّض لأحداث أقل ما يمكن أن نقول عنها، إنها فوق طاقة البشر.

إنها تراجيديا تتجاوز المتخيّل التراجيدي، إذ صادرته السلطات الرومانية حين صادرت اليهود، وهو مسيحي أرثوذكسي، وسجن وأجبر على القيام بأعمال شاقة، وفي هنغاريا، اعتقل وضرب وعُذّب، ثم سُلّم إلى الألمان لأنه روماني، وفي ألمانيا سجن وعذّب لأنه هنغاري، ثم جنّده الألمان، وحين وضعت الحرب أوزارها، اعتقله الأميركيون بتهمة كونه نازيا! وفي جميع هذه المعتقلات عرف من المعاناة التي لا طاقة للإنسان بتحملها.

لا أتذكر عدد المرات التي أعدت فيها قراءة هذه التراجيديا الإنسانية، وفي كل قراءة، كنت أتعلّم منها ما لا أعلمه في القراءات التي سبقتها، وأغتني ذهنيا وروحيا بما أتعلمه منها.

وفي حالات مررت بها بظروف أحسست فيها بالقهر والظلم وبغياب العدالة، كنت أعود إلى قراءتها وأعيش مع عدد من أبطالها معاناتهم وعذاباتهم، وبخاصة معاناة وعذابات يوهان موريتز، ثم أسأل نفسي، أي قهر وأي ظلم هذا الذي تعرّضت له، قياسا بما تعرّض له أبطال تراجيديا -الساعة الخامسة والعشرون- وهل يُقاس غياب العدالة الذي عشته أو أعيشه، بغياب العدالة الذي عرفه هؤلاء؟

فأجدني بهذا القياس، ومهما كانت معاناتي، بخير وعلى خير، كما يقول إخواننا المغاربة، حيث أستعيد توازني وأخرج ممّا أنا فيه من شجن واكتئاب، وأواصل حياتي، كما ينبغي للإنسان في عالمنا المعاصر، بمتغيّراته وتحدياته، أن يواصل حياته، وهكذا أجد في هذه الرواية وفي أحداثها ومعاناة أبطالها ما يشبه العلاج.

في قراءاتي الأولى، حيث كان الوعي الذي أتوفّر عليه، محدودا بحدود تجاربي الحياتية والثقافية، كنت أتوقّف عند الأحداث، وإن كان عندي ثمّة أسئلة فهي لا تتجاوز الأحداث أيضا، أما في ما بعد وقد أصبحت أكثر وعيا وأوسع معرفة، فقد صرت أقف طويلا عند الأفكار، أتأمّلها وأحاورها، فأقبل على بعضها وأفارق بعضها الآخر.

لذا أقول، إن الأطروحة الأساسية في “الساعة الخامسة والعشرون” هي أن الحضارة المعاصرة بثقلها المادي، خرّبت المجتمع الإنساني وجرّدت الإنسان من إنسانيته، لتجعل منه مجرّد شيء وحاولت محو الفوارق والخصوصيات الفردية والوطنية، لتجعل منه مجرّد رقم في سديم من الأرقام، ليس إلاّ.

ألسنا نعيش في عالم يتراجع فيه الجمال والمثال، ويتقدم ما هو مادي وطقوسي، ويكون فيه الأمر للقول على حساب العقل وللقوة الغاشمة على حساب العدالة؟

إنه مجرد سؤال.

كاتب عراقي

14