هل يدّخر أبناء جيل الألفية ما يكفي للتقاعد

يميل شباب اليوم إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر، كما أنهم يؤجلون فكرة الزواج كثيرا، وينشغلون أكثر بإنفاق نقودهم لشراء بعض المأكولات والمشروبات، بدلا من التوفير لشراء منزل أو الادخار لأجل طويل، مما يجعلهم محل اتهام بأنهم أقل فهما وحكمة في ما يتعلق بإدارة أموالهم من الأجيال التي تسبقهم، لكن مختصين يرون أن هذه الفكرة مضللة.
السبت 2018/01/06
شباب قد يعيد صياغة مفهوم التقاعد

لندن - توصلت سوفيا بيرا البالغة من العمر 33 عاما، والتي تعمل في إعداد الخطط المالية للأفراد وتقيم في أوستن بولاية تكساس الأميركية، كما أنها مؤسسة شركة “جين ي. بلانينغ”، التي تعمل في الغالب مع من يقلّون عن عمر 36 عاما، إلى أن أبناء جيل الألفية يقلقون بخصوص الكفاح بشدة من أجل دفع ديون قروض الدراسة أكثر من قلقهم حول الادخار للتقاعد.

وأوضحت بيرا قائلة “إذا ما ذهبوا إلى الجامعة لدراسة الطب أو المحاماة، فيقولون إنهم يعرفون بأنه ينبغي عليهم الادخار للتقاعد لكنهم في الحقيقة يريدون إيجاد وسيلة للتعامل مع القروض الدراسية أولا”.

وأضافت أنه بالنسبة لأبناء جيل الألفية، يشغلهم التخلص من القروض أكثر من تملّك بيت، ويسبب لهم توترا عصبيا أكبر، مشيرة إلى أن الزبائن غالبا ما يقررون تسديد القروض قبل أي أولويات أخرى، حتى عندما يكون معقولا أكثر من الناحية المالية تأجيل ذلك.

وقال تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إنه يمكن تفسير التقارير الأخيرة التي تفيد بأن أبناء جيل الألفية لا يدّخرون بما يكفي للتقاعد، من خلال النهج الذي يتبعونه في هذه الأيام. ويمكن للتعميم أن يسبب إشكاليات، إذ يمكننا أن نجد أنظمة تقاعد وطنية متفاوتة في البلدان المختلفة. وفي البعض منها نُظم تقاعد إلزامية يُجبر فيها العاملون على دفع مبلغ لحساب التقاعد، كما في أستراليا وسويسرا.

وبيّن التقرير أنه في بلدان أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، هناك نُظم حكومية لدفع المستحقات أولا بأول، مثل نظام التأمين الاجتماعي الهادف إلى إبعاد المتقاعدين عن حالة الفقر، الذي تدعمه حسابات التقاعد الفردية من مساهمات أرباب العمل، لكن ما هو صحيح أيضا هو أن نُظم التقاعد قديمة وتعود لعقود من الزمن، كما أن الضمانات في أوقات الشدائد، مثل التأمين الاجتماعي، تواجه ضغطا أكثر من أي وقت مضى.

وأكد فيليب ديفز الأستاذ في مجال البنوك والمالية بجامعة برونيل بلندن وزميل المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، أن أحد التحولات الكبيرة التي حصلت في العقود القليلة الماضية هو انتقال مسؤولية الادخار للتقاعد بعيدا عن الشركة التي يعمل بها الموظف لتقع على عاتق الفرد نفسه.

أبناء جيل الألفية يقلقون بخصوص الكفاح بشدة من أجل دفع ديون قروض الدراسة أكثر من قلقهم حول الادخار للتقاعد

كما أشار إلى أن “التحولات الكبيرة التي طرأت على المناهج الممولة هي تحولها من فوائد محددة إلى مساهمات محددة”، موضحا “إننا ننتقل من نوع من التمويل المالي الذي يضمن دخلا معينا من سن التقاعد وحتى الوفاة، إلى نوع آخر تساهم أنت بالادخار فيه، ويكون الدفع فيه إليك وفقا للسوق”.

ومن جانبه قال دوغلاس هيرشي، مدير مختبر أبحاث التخطيط للتقاعد بجامعة أوكلاهوما الحكومية، إن الأمر يتعلق بالشباب أكثر من تعلقه عموما بأبناء جيل الألفية.

وأضاف موضحا “لا أعتقد أن هناك فرقا كبيرا في تفكير أبناء جيل الألفية في أهمية التقاعد، أو سلوكهم تجاهه، مقارنة مثلا بأبناء جيل طفرة المواليد عندما كانوا في العشرينات من أعمارهم. والأهم من ذلك، هو وجود خصال نفسية محددة تؤثر في كيفية ادخارنا للمال، مهما كان عمرنا”، مشيرا إلى وجود عامل واحد يحدد ذلك، وهو “الانطباع عن المستقبل”.

كما أفاد “يتأمل البعض المستقبل على أنه وحدات من 5 أو 10 أو 20 سنة، في حين يركز آخرون على الحاضر أكثر. إنها من الخصال الشخصية المستقرّة جدا. وبينما تظهر البيانات أن أبناء جيل الألفية يتدبرون بنشاط أمورهم المالية، فإن كثيرين يقولون إنهم لا يدّخرون لفترة تقاعدهم”.

ويضيف أن تصرف أبناء جيل الألفية وفق ما تمليه ضمائرهم، وتركيزهم على تفاصيل الأمور هي خصال أخرى جيدة تنبئ بما إذا كانوا يخططون ويدّخرون لتقاعدهم. وعلى الرغم من ذلك، يشير هيرشي إلى مخاوف مالية أكثر آنية بالنسبة للجيل الحالي، مثل ارتفاع أسعار البيوت ونفقات الدراسة.

ويقول “إنه لأمر جديد نسبيا أن يُطلب من الناس ترتيب مستقبلهم في بيئة معقدة من التخطيط المالي، بدلا من إتاحة المجال للشركة التي عملوا بها أن تهتم بهذه الأمور نيابة عنهم. فالموظف هو الذي يتولى زمام القيادة الآن، وعليه اتخاذ قرارات مهمة”.

ويقول أنخل فيرنانديز أموريس، البالغ من العمر 30 سنة، كان استشاريا سابقا من مدريد، إن أغلب الذين يعرفهم يخططون للاعتماد على النظام التقاعدي الحكومي في إسبانيا، ويضيف “بالرغم من هذا، فإن إسبانيا ليست بأفضل حال، إذ تتغير التركيبة السكانية كثيرا، وسواء سيظل هذا الصندوق التقاعدي قائما لأمد طويل أم لا، فإنه أمر مرهون بالمستقبل”.

الزيادة في متوسط الأعمار، وانخفاض نسب المواليد دفعا باتجاه إحداث تحوّل في التركيبة السكانية عالميا، مما جعل الحكومات تجد مصاعب من أجل التمويل، وكانت الأزمة الاقتصادية التي استمرت لعقد من الزمن جعلت أنخل يتعلم كيف يدّخر المال لسنين تقاعده، وقرر في النهاية شراء عقار للاستثمار في مدريد قبل عامين، عندما كانت الأسعار بأدنى مستوى تاريخي لها.

ويوضح أموريس “لا أتأمل نفسي وأنا أعيش هناك مع عائلتي، لكنه استثمار رائع لشخص شاب، أو في المستقبل، لربما يساهم الدخل الآتي منه في دعم الراتب التقاعدي”.

وقال مختصون إن أبناء جيل الألفية، الذين عاش الكثيرون منهم خلال فترة الأزمة المالية العالمية، وظلوا بعيدا عن الاستثمار في الأسهم، لعلهم أكثر ثقة في الاستثمار في العقارات كمصدر دخل تقاعدي.

وأفادت بيرا أن عددا متزايدا من زبائنها، وخاصة ممن يعيشون في المدن ذات الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، يسألون عن الاستثمار في العقارات. وأضافت “بدلا من شراء منزل لهم، يختارون الادخار للاستثمار في عقار بمكان آخر، والحصول على قيمة الإيجار كدخل لهم”. وتنوي نيكول وونغ، الطبيبة البيطرية البالغة 28 عاما من هونغ كونغ، أن تستفيد من قيمة الإيجار كدخل عند التقاعد. وهي تعيش حاليا في بريزبان بأستراليا، وتقول إنها قد حسبت مقدار المال الذي ستحتاجه للتقاعد، وأن الأولوية بالنسبة إليها هي شراء منزل، وتابعت “كما أنوي تملّك عقار آخر كاستثمار، وأسهم تدعم راتبي التقاعدي”.

كما قالت إن العديد من أصدقائها في هونغ كونغ يخططون للانتقال للعيش في مكان آخر ذي تكاليف عيش أقل عندما يتقاعدون. ولا يزال هناك آخرون ممن يعتقدون أنهم لن يكونوا بحاجة لأن يتقاعدوا أبدا. فقد أشار استطلاع واحد على الأقل إلى أن 30 بالمئة من الشباب المشاركين فيه (وتتراوح أعمارهم بين 18-24 سنة) لا ينوون التقاعد مطلقا، بحسب الـ”بي بي سي”. وربما ينتهي الأمر بأبناء جيل الألفية، الذين غيّروا مجالات لا تعد ولا تحصى، أن يعيدوا صياغة مفهوم التقاعد أيضا. كيف ينفق الشباب من أبناء جيل الألفية أموالهم؟

20