"الحراس".. كائنات خارقة تتصارع في أرض موسكو وسمائها

تتنوّع المعالجات الفيلمية في قصص الخيال العلمي وتستفيد استفادة قصوى من الثيمة الخارقية التي يتم إسباغها على الشخصيات، فتتعدى قدرات البشر كما تتحدّى عاملي الزمان والمكان اللذين جعلا الإنسان ملتصقا بالأرض ومسيطرا عليها بعامل الزمن، هذه الخارقية تتيح من جهة أخرى متعة في المشاهدة من خلال الزجّ بالشخصيات الافتراضية التي تناط بها مهمّة المواجهة والتحدي، وفي الوقت نفسه تصبح هي التي يعوّل عليها في قيادة الدراما الفيلمية.
الاثنين 2018/01/08
خيال علمي يحيي أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق

شاهدنا سابقا على صعيد السينما الأميركية الكثير من الأفلام التي تعتمد على الثيمة الخارقية، ومنها مثلا تلك الأفلام المأخوذة عن سلسلة الكوميكس الأميركية الشهيرة، فشاهدنا مثلا سلسلة “حراس المجرة” التي ظهر جزؤها الأول في العام 2014، فضلا عن سلاسل “سوبرمان” و”كابتن أميركا” و”الرجل الخفاش” وجميعها ظهرت أجزاؤها الأولى في أربعينات القرن الماضي، ثم تتالت أجزاؤها تباعا حتى الوقت الحاضر.

ولا شك أنه تراكم مشهود في تاريخ السينما الأميركية، تحديدا سينما هوليوود الأكثر تفوقا تجاريا، حتى صار لهذه السلاسل جمهورها العريض، فضلا عن مردودها التجاري.

ويبدو أن المنافسة بين الدولتين العظميين أميركا وروسيا بدأت تنسحب على هذا الميدان، وها نحن أمام نموذج لهذا التنافس الأقرب إلى التقليد منه إلى الابتكار.

وفي فيلم “حرّاس” للمخرج الروسي من أصل أرمني ساريك أندرياسيان (إنتاج 2017) نجد فيه شكلا واسما ومضمونا واقعا تحت تأثيرات من تلك السلاسل من الأفلام، مع اختلاف المعالجة والشخصيات بالطبع.

نحن الآن في سنوات الحرب الباردة والصراع بين الدولتين العظميين على أشدّه، وهناك تجارب تجرى على البشر في إطار البيولوجيا الجينية والاستنساخ يستغلها كورتوف (الممثل ستانسلاف شيرين)، وهو أحد العلماء، مستفيدا من النتائج التي تحقّقت، ليتحوّل إلى كائن يتمتع بقدرات خارقة للغاية، ممّا جعل كل إمكانات الدولة السوفييتية تعجز عن التصدي له، إلى الحد الذي جعل موقعا فضائيا كان قد أنشأه الرئيس الأميركي الأسبق ريغان يصبح تحت تصرفه.

هنا تستجمع الدولة السوفييتية قدراتها للتصدي لهذا الخطر الداهم، وتضع كل شيء تحت تصرف الضابط إيلينا (الممثلة فاليريا شكيراندو) التي تبحث في أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق عن الأشخاص ذوي القدرات الخارقة، والذين ينتمي كل منهم إلى إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ويخوضون صراعا طويلا مع كورتوف الذي لا يقهر.

المنافسة بين الدولتين أميركا وروسيا بدأت تنسحب على أفلام الخيال العلمي، إلا أنه تنافس أقرب إلى التقليد منه إلى الابتكار

لا شك أن هذه الدراما بكل ما تم توظيفه لها من إمكانات إنتاجية واضحة، تشبه كثيرا ما شاهدناه من أفلام أميركية من تلك السلاسل التي سبق ذكرها، حيث احتشد الفيلم بالكثير من المؤثرات والحلول البصرية مع مهارات واضحة في مجال التصوير والإضاءة.

وتميز الفيلم بسبب تلك الثيمة القائمة على الصراع باستخدام عنصر الحركة على نطاق واسع ومشاهد قطع الأنفاس، كون الشخصيات التي تخوض تلك الصراعات العنيفة ما تلبث أن تعود إلى ساحة الصراع من جديد، ولن يموت سوى الخصم الشرير أما السوفييت فسينتصرون، تلك هي الخلاصة التي يمكن الوصول إليها بشكل مباشر.

في المقابل، وجدنا أن هناك مبالغات ملفتة للنظر في بناء الشخصيات نفسها، ومن ذلك مثلا امتلاك أرسوس (الممثل أنتون بامبوشني) بشكل مفاجئ رأس دب وقدرات حيوانية، ثم تحوّله في مشاهد أخرى إلى دب، بل ويصل الأمر إلى حد أن تمتطيه كسينيا (الممثلة إلينا لالينا)، علاوة على القدرات الخارقة لكورتوف نفسه.

واحتشد الفيلم بالمعارك بكل أشكالها، وتدخلت الطائرات والقاصفات والجنود الروبوت، وفي خلال ما يقرب من تسعين دقيقة لم يترك المخرج عنصرا يصعّد فيه الدراما ويشعل المزيد من المعارك إلاّ واستخدمه، وكل شيء تحت تصرف كورتوف من جهة وخصومه من جهة أخرى.

وفي موازاة ذلك، تميز أداء كسينيا وإلينا بمهارة ملفتة للنظر وقدر معقول من الإقناع، إذ جسدت إلينا دور المرأة العسكرية المحنّكة التي تقود المهمة بأكملها بشكل متقن وتتمكّن من جمع الشخصيات لغرض التصدي للعدو المشترك، أما كسينيا ففي تجسيدها دور المرأة التي فقدت جزءا من ذاكرتها وقدراتها الخارقة في التخفي في الوقت نفسه، بدت مقنعة وملفتة للنظر.

ونلاحظ في المسار الدرامي مثلا، أنه في الوقت الذي تم تحشيد جميع الأقوياء وذوي القدرات الخارقة لمقاومة كورتوف، إلاّ أنهم مع نصف الساعة الأول من الزمن الفيلمي نجدهم قد انهاروا تباعا، وهو حل درامي ملفت للنظر، ولهذا كان التحشيد الدرامي لما تبقى من الزمن الفيلمي مقنعا باتجاه إعداد العدة والانتصار على كورتوف.

بالطبع تم تحميل الفيلم بمضمون غير مباشر لا يخفى، وهو رمزية الشخصيات ذات القدرات الخارقة التي تنتمي لدول سوفييتية مختلفة توحّد أبناءها تحت القيادة السوفيتية فتصنع المعجزات وتصرع الخصوم.

وفي المقابل، لا يمكن أن نغفل أن وراء الفيلم مجهود كبير وطاقات لا يستهان بها على جميع الأصعدة، حيث اكتنز “الحرّاس″ بحلول بصرية واستخدام متميز لعنصر الحركة وزوايا التصوير، فضلا عن التنوّع في تقديم العديد من الشخصيات التي حمل كل واحد منها طابعه وبصمته الخاصة.

16