يناير 08, 2018

سعيدة برجعيتي

لا أعترف مطلقا بأحقية المرأة في التعامل بحرية مع جسدها، وما يقال عن إعادة النظر في علاقة المرأة بالجسد، وما يستتبعه من ممارسات جسدية وجنسية مباحة، والتحرر من سجن العادات، وحقها المطلق في أن تهب هذا الجسد قربانا سائغا لمن تحب، لا لمن تتزوج.

هؤلاء الذين يقولون بأن الزواج سجن المرأة ومكبل حريتها لا تستهويني كلماتهم بالمرة ولا أقتنع بها، لديّ ثوابت وعقيدة دينية راسخة، ولا أرضى فيها جدالا.

حق المرأة وعلاقتها بجسدها، احترام حرية المرأة الشخصية في الممارسات، ترسانة القوانين البغيضة المقيدة لتلك الحرية والداعمة لفكرة العيب، وصاية الأب البطريريكي، وتابوهات الحرام والمحظور ليست من مفرداتي ولا أستخدمها مطلقا ولست ممن يسمحون بممارسات جسدية وجنسية مفتوحة دون قيود أو ضوابط خارج الإطار الشرعي لمؤسسة الزواج.

لستُ متخلفة عن الركب الحضاري والتطور الطبيعي لتحرر المرأة من سجون الرجعية المجتمعية والتخلف الفكري في التعاطي مع قضاياها، أعتبر نفسي من مناصري المرأة بلا منازع، وأتناول قضايا نسائية بامتياز في جميع كتاباتي، لكن ليست كل القضايا التي تثيرها امرأة تعد قضايا نسائية، فهناك سفاسف الأمور وتوافهها التي تنتقص من مكتسبات سعت النساء لنيلها جراء معارك حامية الوطيس.

اتهمتني إحداهن بالرجعية لرفضي دعم هدير مكاوي أو أم عزباء مصرية أو (single mother) تعلن عن نفسها وتقدّم نفسها كإحدى دعاة التحرر في بيئة منغلقة ظلامية في مواجهة قوى التشدد كما روّجت لنفسها، والحقيقة أن تلك الفتاة ومن دعتني للكتابة عنها وغيرهن كثيرات اختزلن كفاح الحركات النسوية في نيل الحرية وأحقية المرأة في الحياة السوية الكريمة جنبا إلى جنب إلى جوار الرجل في الحق في الممارسات الجسدية، متناسيات أن كثيرا من النساء اللاتي ذهب عنهن أزواجهن بسبب الوفاة أو الطلاق أو الهجر أكملن الحياة دون الرجل ودون ممارسات شائنة بل بالعكس تماما منهن من وصلن لمراكز اجتماعية ومهنية مرمُوقة وأتممن رسالتهن الأسرية برعاية الأسر التي فقدت عائلها، أو بتربية أبناء على قدر كبير من النجاح والنبوغ دون أن يصرخن في وجه العالم مدعيات بطولة زائفة، ومن سافرت إلى بلاد الشمال والجنوب وجابت الأرض بحثا عن العلم ونالت درجة علمية عالية دون أن تفقد احترامها لجسدها ومن قبله ذاتها.

أعادت زميلة صحافية “متحررة” بلا قيود من دين أو خلق الاتهام ذاته حين امتعضتُ من رقص الأستاذة الجامعية منى برنس فوق سطح منزلها في القرية المصرية الريفية (صارمة العادات والتقاليد)، ونشرت المقطع الراقص على مواقع التواصل الاجتماعي وتداوله كثيرون، لا أعيب عليها الرقص فهو فنّ راق، قد لا أحبه ولا أجيده، لكنني لا أنكره على أحد، ما أنكره هو سوء التقدير من أستاذة جامعية يجب أن تظهر بالشكل اللائق والمتسق مع مهنة الأنبياء في نشر العلم.

ضحكت بسخرية شديدة من اتهامي بالرجعية، فليس العري تحضرا، لا أنكر على أحد حريته المطلقة في ارتداء ما يراه مناسبا لقناعاته الشخصية، وليس متر قماش يطوي العفة تحت نسيجه، لكنني أرفض اتخاذ التعري الجسدي وسيلة للتلويك بمفرادات الحرية والتحضر وإثبات الذات. أتساءل هل يعلم مروّجي فكرة الحرية الجسدية أن عدد أطفال الشوارع نتيجة علاقات جنسية مشوّهة خارج إطار شرعي وقانوني أو لأسباب أخرى بحسب تقرير صادر عن منظمة اليونيسف يبلغ 2 مليون طفل، وأن عدد الأطفال مجهولي النسب حسب أخر تقارير وزارة التضامن الاجتماعي المصرية حوالي 13 ألف طفل.

أين المدافعون والمتشدّقون بضرورة وأد العفة والطهر حين تنجب فتاة لم تبلغ رشدها بعد دون زواج أو تحمل سفاحا وتقدم على إجهاض نفسها خوفا من الفضيحة فتموت بلا ذنب غير أنها خرجت من منزلها بكذبة مصطنعة متشبعة بأفكار التحرر والخروج عن تابوهات العيب والحرام.

كاتبة مصرية

21