أطفال بوكو حرام الجيل القادم من الإرهابيين

العمليات الإرهابية الأخيرة التي نفذتها جماعة بوكو حرام خلال الأسبوع الأخير من العام 2017 في ثلاثة مواقع رئيسية بالبلاد، بدّدت التصوّر بأنه تم القضاء على الجماعة النيجيرية المتطرفة وهو تصوّر نابع من تصريحات رسمية دأبت على القول إنها تخلصت من خطر الجماعة وسطوتها. ولئن تتشابه جماعة بوكو حرام مع التنظيمات المتطرفة الأخرى، على غرار تنظيم داعش أو جماعة الشباب الصومالية، في تجنيد الأطفال إلا أن بوكو حرام تفوقت في هذا الباب للخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية النيجيرية، ولطبيعة العمليات التي تنفذها ضد النظام النيجيري والتي تحتاج عناصر لا تحمل شبهة أو تثير شكا.
الاثنين 2018/01/08
تجنيد الأطفال القاسم المشترك بين التنظيمات الإرهابية

تسعى التنظيمات المتشددة إلى استقطاب الأطفال الصغار، الذين لا يحملون سوى نقاوة الفكر، لتأجيج مشاعرهم وزرع حتمية الجهاد وقتال من يسمونهم “الكفار” في عقولهم، ليقع نقلهم في ما بعد إلى ساحات القتال، وجعلهم كبريتا لمعاركهم التي يخوضونها.

استغلال الجماعات الإرهابية للأطفال لكونهم أسهل في تلقينهم، ويقل احتمال إبدائهم مقاومة؛ بما أنهم لا يدركون بعد تمام الإدراك تعرضهم هم أنفسهم للموت، علاوة على ذلك، فنظرًا إلى أنّ الأطفال يبدون أقل إثارة للشبهات، فإن استغلالهم غالبًا ما يؤدي إلى تنفيذ مهام أكثر نجاحًا.

ومن أساليب التجنيد أيضا، التغرير بالأطفال من خلال المخيّمات الدعوية وتوزيع هدايا عليهم، والسماح لهم باستخدام أسلحتهم واللعب بها، وقد يخطفون الأطفال، ويُجرى تجنيدهم دون علم الأهالي، كما يتم تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال الأيتام أو أطفال الشوارع، كذلك يتم تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال عن طريق الإنترنت والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يوجد الأطفال للتسلية والاستكشاف والتواصل مع الآخرين.

بعد التجنيد، يتولى التنظيم تعليمهم وتدريبهم على القتال، ويجري تخريج دفعات جاهزة للقتال لا تتجاوز أعمارهم 16 عاما في مجموعات قتالية، وغالباً ما يتم تجنيدهم كعناصر انتحارية أو جواسيس، بسبب قدرتهم على التنقل والتخفي ومعرفة الطرق على الأرض، ويلعب الجانب الاقتصادي دوراً في الاستفادة من فئة الأطفال لدى التنظيمات الإرهابية، حيث إن أجر الصغار أقل بكثير من الأكبر سنا، كما أن انضباطهم وحماسهم يمكن استغلاله في إقناعهم بالعمليات الانتحارية عبر التأثير على عقولهم.

ومن أشد وسائل تجنيد الصغار لدى المنظمات الإرهابية غسيل الأدمغة عبر المدارس التعليمية، فقد رصدت التقارير الدولية وجود مدارس كثيرة تابعة لتنظيمات القاعدة وداعش في سوريا، بما يعني أن هؤلاء الصغار تعرضوا لحالة مسخ للهوية بأفكار العنف، مما يجعلهم قنابل موقوتة ستنفجر بوجه مجتمعاتها ووجه المجتمع العالمي، بما تشرّبوه من فكر التكفير والتفجير.

اختُطفت 276 طالبة مدرسةٍ في أوائل عام 2014 من تشيبوك النيجيرية في عملية استرعت انتباها عالميا بمساعدة من حملة “#أعيدوا بناتنا”. ولكن هؤلاء الفتيات المفقودات ما هن إلا قلة قليلة من النساء والفتيات والرجال والشبان الذين اختُطفوا على أيدي بوكو حرام.

ميدوغوري -التي يسكنها المعدمون في بؤس مطلق على الرغم من ثروة نيجيريا النفطية- تعتبر معقلا للمتشددين الدينيين والمعادين لمؤسسات الدولة

وحسب هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته في 27 أكتوبر 2104 فإن النساء والفتيات اللاتي تعرضن إلى الاختطاف على يد جماعة بوكو حرام أجبرن على الزواج واعتناق دين آخر، وتعرضن إلى انتهاكات جسدية ونفسية، وإلى العمل القسري والاغتصاب أثناء الاحتجاز. وكانت هذه الجماعة قد اختطفت أكثر من 500 امرأة وفتاة منذ 2009، وضاعفت من عمليات الاختطاف منذ مايو 2013 عندما فرضت نيجيريا حالة طوارئ في المناطق التي يكثر فيها نشاطها.

تُعتبر عملية الاختطاف التي جدت في 14 أبريل 2014 والتي استهدفت 276 طالبة من شيبوك، وهي بلدة ريفية في محافظة بورنو، أكبر عملية اختطاف نفذتها بوكو حرام. ولكن الجماعة نفسها نفذت عمليات اختطاف لعديد الأشخاص الآخرين قبل عملية شيبوك وبعدها. ويبدو أن السهولة النسبية التي لقيتها بوكو حرام أثناء تنفيذ عملية شيبوك شجعتها على مضاعفة عملياتها في مناطق أخرى.

إن المتابع لعمليات بوكو حرام التي دأبت على تهديد أمن منطقة غرب أفريقيا وليس نيجيريا فحسب، سيكتشف أن أكثر هذه العمليات تتم عن طريق أطفال ونساء تستخدمهم الجماعة كقنابل موقوتة، تفجرها في أي وقت شاءت مخلفة وراءها دمارا كبيرا ودماء وأشلاء أناس لا ذنب لهم.

ومن خلال متابعة لنشاط بوكو حرام بدا واضحا أن الجماعة صارت تعتمد على النساء والأطفال بشكل أساسي في تنفيذ هجماتها؛ ففي منتصف شهر يناير 2017 نفذت بوكو حرام هجوما انتحاريا على جامعة مايدوجوري بولاية برنو شمال شرق نيجيريا، حيث وقع الهجوم من خلال انتحاريتين لم يتعد عمراهما اثني عشر عاما، كانتا مفخختين وحاولتا الدخول إلى الحرم الجامعي عند الفجر مستهدفتين مسجد الجامعة.

تعتبر ميدوغوري -التي يسكنها المعدمون في بؤس مطلق على الرغم من ثروة نيجيريا النفطية- معقلا للمتشددين الدينيين والمعادين لمؤسسات الدولة، وقد توسعت المدارس الدينية غير المنظمة كثيرا، وهو ما استغله الداعية محمد يوسف الذي أسس جماعة بوكو حرام لمناهضة الفساد المستشري في الحكومة وإهمال الفقراء، وبهذا تمكّن من اجتذاب المضطهدين والفقراء.

ولتجنّب تجنيد الأطفال من قبل جماعة بوكو حرام المسلحة، يعمل معلمو المدارس القرآنية بدوالا على تعليم الناشئة قيم التعايش الجماعي، وأهمية السلام والتعليم على وجه الخصوص، تماما كما نصّ على ذلك القرآن الكريم.

ومع تواتر عمليات تجنيد الشباب من المسلمين من قبل المجموعة النيجيرية، اجتاحت العائلات المسلمة المقيمة في حي نيوتاون، الواقع على مقربة من مطار دوالا، والذي يعدّ ثاني أحياء المسلمين في المدينة، وأكثرها فقرا، المخاوف من قدرة المتمردين النيجيريين على استقطاب أبنائهم. مخاوف تدفعهم إلى وضع آمالهم في ما يمكن أن تتيحه المدارس القرآنية من تعليم يفتّح عقول أبنائهم على تعاليم الدين الإسلامي الحاثة على السلام، والمحرّمة للقتل.

لا يبدو أن الأمر سينتهي قريبا، لأن ظاهرة استغلال الأطفال مستمرة ما دام الصراع مستمرا، فالأطفال وفقا لتقرير ميا بلوم وجون هارجان سهل إقناعهم وتشكيل فكرهم، وأقل إثارة للشبهات، فاستخدامهم يجعل إتمام العمليات الإرهابية يمر بنجاح. غير أن ترسيخ هذا الفكر لدى الطفل سيجعل محاولة اجتثاثه منه مهمة صعبة، ومحاولة تأهيله ستأخذ وقتا ليس بالقليل، الأمر الذي يجعل العالم بانتظار جيل جديد من الإرهابيين الذي ما تربى على شيء إلا على مشاهد قطع الرؤوس والتنكيل بالجثث، ومستوى آخر من العنف والإرهاب عما يشهده اليوم.

خلاصة من بحث محمد بوبوش “اختطاف وتجنيد الأطفال لدى جماعة بوكو حرام”، ضمن الكتاب 128 (أغسطس 2017) “تجنيد الأطفال”. الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13