الاحتجاجات الإيرانية.. محاكمة شعبية لسجل الثورة المتطرف

بصرف النظر عن مدى نجاح الاحتجاجات الإيرانية في تحقيق أهدافها من عدمه، فإن الحدث فرض الالتفات للثورة الإسلامية في إيران، وللمقولات الفكرية التي أنتجتها وصدّرتها لاحقا. الثورة الخمينية كانت منعرجا كبيرا على مستوى تكريس الدولة الدينية أولا، وفي مجال مضاعفة نسق إنتاج الأفكار المتطرفة ثانيا، وفي تحالف “المدارس” الإسلامية المتطرفة في بلورة مشهد تكفيري نعيش اليوم أقصى تعبيراته.
الاثنين 2018/01/08
احتجاجات ساءلت بنية الدولة

بصرف النظر عن المآل سيبقى السؤال هو نفس السؤال: كيف أمكن لحضارة عريقة راسخة أقدامها في مجال الفن والجمال أن تسلّم روحها فجأة إلى رجال العمائم السوداء؟ لكن لكي لا يصيبنا اليأس، أو حتى لا نقع في وهم الخصوصية الشرقية، فإن نفس السؤال سبق طرحه على الحضارة الألمانية في أواسط القرن العشرين: كيف انتهى شعب الفلسفة والموسيقى إلى تسليم روحه لشخص مثل هتلر؟

لا نملك من إجابة شافية غير التقديرات المتداولة في مختلف العلوم الإنسانية. لكن الشيء الوحيد المؤكد وكما تبيّن تجربة الاتحاد السوفييتي نفسها أن لا مستقبل للمجتمعات المغلقة، وبالأحرى فلا مستقبل لها اليوم في زمن المعرفة والتواصل.

في واقع الحال، لم تكن المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها إيران مؤخراً هي الأولى من نوعها، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة، لكنها كانت الأوسع مدى والأعلى سقفا منذ صعود الملالي إلى سدة الحكم. فلأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية يتجرأ المتظاهرون على المطالبة بإسقاط القائد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي. وهي إشارة لها ما بعدها في كل الأحوال، وبصرف النظر عن المآل.

انقلاب الخمينيين على حكومة بني صدر أنتج وهما يتعلق بقابلية الثورات للاختطاف من طرف القوى الدينية

مقابل ذلك لم تتردد السلطة في رفع السقف بدورها عاليا، ليس فقط من خلال قتل عدد من المتظاهرين واعتقال المئات، واضطرارها إلى تسيير العديد من المظاهرات المضادة ضد “الشيطان الأكبر” و”عملائه في الداخل”، وإنما أيضا من خلال إعلان رئيس المحكمة الثورية، حجة الإسلام موسى غضنفر أبادي، بأن المعتقلين يمكن أن يواجهوا تهمة الحرابة بدعوى أنهم حاربوا الله وحاربوا رسوله! ما يعني بعبارة واحدة، الإعدام شنقا.

في الواقع قد لا تبدو الأحداث مفاجئة تماما بالنسبة للذين يدركون شساعة الهوة بين مجتمع مدني ميال إلى الانفتاح والتحضر، وبنية نظام تزداد محافظة وانغلاقا عاما بعد عام، وانتخابا بعد انتخاب، وتمتلك في المقابل قدرات هائلة في التجييش على منوال النظم الشمولية.

قبل سنوات خلت كانت المظاهرات المجهضة التي قادها الشباب المثقف والنساء من الطبقة المتوسطة، لا سيما في أواخر سنوات التسعين من القرن الماضي، تكتفي بالمطالبة بإصلاح منصب المرشد الأعلى، من حيث الحد من بعض صلاحياته، أو جعله منتخبا بواسطة آليات الاقتراع العام، ولو بنحو غير مباشر.

غير أن القراءة العكسية التي فرضها المحافظون في الأخير افترضت بأن تمكين الإصلاحيين بزعامة الرئيس الأسبق محمد خاتمي من السلطة قد فسح المجال أمام عصيان الشباب وخروجهم عن مبادئ الثورة الإسلامية المباركة. وقتها انتهى نجاح السلطات في قمع المظاهرات بالقوة والتخوين، مع اجتثاث التيار الإصلاحي، إلى نوع من الغرور المدمّر لدى السلطة.

إجمالا، فإن هنا بالذات يكمن الدرس الإيراني: إن قدرتك على قمع الاحتجاجات المطلبية لتعني أن أمامك فرصة سانحة لإصلاح ما يمكن إصلاحه وبنحو يحفظ هيبة الدولة. وإلا فإن الصمت الذي قد يعقب قمع الاحتجاجات لن يكون فأل خير بالنسبة لمن يملكون حسا سياسيا سليما.

كانت الثورة الأولى في عام 1979 ثورة شعب ضد نظام دكتاتوري بكل المقاييس، كانت ثورة القوى الديمقراطية والمدنية بالأساس، ولا أدل على ذلك من أن أول انتخابات حرة ونزيهة جرت في إيران عقب انتصار الثورة، كان الفائز فيها هو المفكر الليبرالي الشهير أبوالحسن بنو صدر.

غير أن الخمينيين الذين لم يحالفهم الحظ في الفوز سرعان ما انقلبوا على التجربة مدعومين بـ”اليسار الغبي”، والذي رأى في “الليبراليين التقدميين” عدوه الأكبر، وفق معادلة سطحية بالغة الخطورة والضرر. في كل الأحوال، لأجل إعادة توضيح بعض البداهات المنسية نقول، لم تكن الثورة الإيرانية ثورة دينية، بل عارضها معظم رجال الدين بادئ الأمر، والذين كانوا يفضلون انتظار عودة الإمام المنتظر، غير أن الانقلاب على حكومة بني صدر هو الذي صيّرَ الثورة الإيرانية ثورة دينية في الأخير.

المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها إيران مؤخراً لم تكن هي الأولى من نوعها، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة، لكنها كانت الأوسع مدى والأعلى سقفا منذ صعود الملالي إلى سدة الحكم

بالمناسبة فإنها نفس التجربة التي حاول الإسلام السياسي إعادة إنتاجها في دول ما كان يسمى بالربيع العربي. مع فارق واحد، أن إسلاميي الرّبيع استعجلوا السلطة منذ الوهلة الأولى.

لكي لا ننسى أيضا، لقد صدّرت الثورة الإيرانية إلى الإسلام السياسي العالمي وهم الثورة الدينية، وكان هذا الوهم وهما مدمرا بكل المقاييس. صحيح أن الثورة الإيرانية لم تكن دينية في البداية، بل كانت ثورة شعبية مدنية ساهمت فيها كافة القوى السياسية، إلا أن انقلاب الخمينيين على حكومة بني صدر قد حولها إلى ثورة دينية، وأنتج في نفس الوقت وهما ثانيا، يتعلق بقابلية الثورات للاختطاف من طرف القوى الدينية، حتى وإن لم تكن هي صاحبة المبادرة، مصداقا للعبارة المثيرة للجدل “الثورات يصنعها الأغبياء ويجني ثمارها الجبناء”.

مع تجربة الثورة الإيرانية بدأت ظاهرة سرقة الثورات والانتفاضات الشعبية من طرف الإسلام السياسي. ثم لكي لا ننسى كذلك أمرا بالغ الأهمية، فإن فتاوى التكفير في العصر الحديث قد بدأ رسميا مع الإمام الخميني، لا سيما في فتواه الشهيرة بتكفير الروائي سلمان رشدي، وهي أول فتوى تكفيرية تصدر من أعلى هرم السلطة خلال تاريخ الإسلام برمّته.

وبذلك تكون الثورة الإيرانية قد أعادت إلى الوجود ظاهرة التكفير واستباحة الدماء. فضلا عن كل ذلك فقد كان التأثير المفاهيمي للثورة الإيرانية المغدورة حاسما، عبر العديد من المفاهيم التي ستدخل إلى قاموس الإسلام السياسي في مختلف ربوع العالم: الاستكبار العالمي، الشيطان الأكبر، المرشد، روابط حماية الثورة، إلخ.

في عام 1979 كانت البداية الرسمية لأسوأ منحدر ستعرفه شعوبنا: فبُعيد انتصار الثورة الإيرانية، والتي تزامنت في مصادفة سيئة مع انطلاق الجهاد الأفغاني حدث اقتحام جهيمان العتيبي للحرم المكي (في 20 نوفمبر عام 1979).

وقد جاءت هذه الأخيرة من باب “التماهي مع العدو”، لكنها فتحت أبواب جهنم، بحيث سيتغوّل صقور الكهنوت السلفي بنحو غير مسبوق، سواء في السعودية أو في مختلف أنحاء العالم، وصولا إلى الزواج الثلاثي بين كل من الأيديولوجية القطبية (نسبة إلى الأخوين قطب) من جهة أولى، والأيديولوجية السلفية من جهة ثانية، والأيديولوجية الخمينية من جهة ثالثة. وهو الزواج الذي وضع الأسس النظرية للإرهاب المعولم في الأخير.

كاتب مغربي

13