يناير 08, 2018

ظاهرة مختبرات السرد العربية

تتزايد في الآونة الأخيرة ظاهرة ما يسمى بمختبرات السرد في العديد من الدول العربية، وهي ظاهرة جديرة بالاهتمام والتمحيص والقراءة المتأنية، كونها تؤشر بعض ملامح الخلل في الجهد النقدي العربي، وتحاول التعويض عن النقص الحاصل في هذا الجهد.

وعلى الرغم من حساسية المصطلح ـ مختبرات ـ وإحالاته العلمية البحت، وعدم تناسبه مع الممارسة الإبداعية التي تستند بالدرجة الأساس إلى الظاهرة الثقافية بشكل عام، إلّا أنّ ظاهرة تفكيك النصوص السرديّة ومحاولة قراءتها وإخضاعها للتحليل النقديّ، هي ظاهرة محمودة في جميع الأحوال، ناهيك عن التعوّد على مثل تلك الممارسات وتحوّلها إلى ظاهرة إيجابية، إن صحت النوايا وخلصت وابتعدت عن المجاملات والشللية وتوجّهت بجهد مدروس نحو التجارب الإبداعية الخالصة.

إن محاولات القفز على واقع التجزئة والتشتت الإبداعي العربي، وخلق منصات نقديّة جديدة، هو بحد ذاته منجز متقدّم يحسب للقائمين على تلك المختبرات، شرط تكاملها وتواصلها في ما بينها وتبادل التجارب وخلق معايير نقديّة عربية من شأنها توحيد الرؤى النقديّة في عموم العالم العربي، لكن الحاصل للأسف الآن هو عمل تلك المختبرات في جزر متباعدة يغلب على عملها صفة المحليّة وإهمال التجارب الإبداعية في البلدان العربية الأخرى، إلّا باستثناءات محدودة للغاية، وبالتي تعرّضها لجرثومة التجزئة نفسها التي تعاني منها الثقافة العربية عمومًا والإبداع العربي بشكل خاص، ولعل ما يحسب لهذه المختبرات، بُعدها عن المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، كاتحادات الكتّاب والأدباء والجمعيات الثقافية المموّلة من الدول والحكومات، وهذا في حد ذاته يعدّ إنجازًا مهمًا في هذه المرحلة من التردي والتراجع العربي الذي نشهده على صعيد السياسة والصراعات الأيديولوجية وغيرها من المحبطات.

وبالنظر إلى صعوبة التواصل بين المبدعين العرب وطغيان الطابع المحلي ـ القُطري ـ على الحياة الثقافية العربية عمومًا، لا بدّ من ابتكار وسائل تواصل أخرى فاعلة، مثل تلك المختبرات السردية وأندية القراءة وروابط القرّاء المحبين للأدب، التي أثبتت فاعليتها في السنوات الأخيرة على صعيد نشر الكتاب العربي والتعريف به وإعادة توزيعه بين أعضائها، وإن رقميًا لو لزم الأمر، ذلك لأن قضية توزيع الكتاب، لا سيّما الإبداعي تحديدًا، تعترضها الكثير من الصعوبات اللوجستية المعقدة، كالرقابات مختلفة الآليات في الدول العربية، وتبدّد ظاهرة الموزّع العربي أو التكافل في التوزيع بين دور النشر العربية، نتيجة لانعدام الثقة شبه التام في عالم صناعة الكتاب، باستثناءات قليلة جدًّا تتمثل ربما في معارض الكتاب التي باتت بديلاً مناسبًا إلى حدٍ ما لشبكات توزيع الكتاب.

إن مثل تلك الممارسات النقدية التحليلية، سواء العميقة والمنهجية أو الانطباعية التعريفية بالكتاب الإبداعي، من شأنها أن تشكّل في المستقبل نواة جيدة لآلية قرائية موحدة في عموم العالم العربي، تصلح بديلًا واقعيًا للمؤسسات الهجينة وغير الواقعية التي تتحكم في المنجز الإبداعي العربي وطريقة تقييمه، كالجوائز المالية الكبيرة والمسابقات المخصصة للروايات والمجاميع القصصية، التي يعتري عملها الكثير من الخطل وتتحكم بها المعايير والسلوكيات الخارجة عن إطار الإبداع والمفاهيم النقديّة في أغلب الأحيان، كما يمكنها أن تعوّض عمّا بات يسمّى نكوص أو تراجع أو تقصير النقد العربي بإزاء المنجز الإبداعي الكبير ولا سيّما الروائي منه، خصوصًا إذا ما تمكّنت تلك المختبرات والمنتديات من خلق إطار عربي واسع ينظم عملها ويوحّد مناهجها واختياراتها، وتغلبت على واقع التباعد والانعزال باستخدام الوسائط التقنية الحديثة، مثل عقد الندوات بواسطة الدوائر الفيديوية والبث الحيّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من البرامج المتخصصة في عقد المؤتمرات واللقاءات والمناقشات عن بعد.

كاتب عراقي

14