يناير 08, 2018

البرامج المدفوعة تحول القنوات المصرية إلى متاجر عرض

تسعى الجهات التي تراقب وسائل الإعلام في مصر إلى ضبط معايير العمل الإعلامي، ومن بينها تقنين شراء مساحات زمنية على الشاشات للترويج لمنتجات أو أعمال طبية أو فنية، حيث تسببت هذه النوعية من البرامج في نوع من الفوضى بخروجها عن سلطة إدارة القناة مستفيدة من رضوخ القنوات الفضائية لشروطها بعد تكبدها خسائر إعلانية.
استعراض إعلامي

القاهرة - بدأت نقابة الإعلاميين في مصر اتخاذ إجراءات بهدف تقنين ظاهرة شراء مؤسسات أو أشخاص مساحات زمنية على شاشات بعض الفضائيات، لبث برامج خاصة بهم مقابل عائد مادي للقناة، بعد تكرار شكاوى من ارتكاب أخطاء مهنية فادحة في بعض البرامج التي يتم فيها شراء وقت البث.

وجاء تحرك نقابة الإعلاميين، على إثر ظهور شخصيات غير مؤهلة لتقديم برامج مدفوعة مقدما، ما يزيد من الفوضى التي تسعى هيئات مسؤولة عن الإعلام في مصر للسيطرة عليها، بفرض غرامات أو عقوبات إدارية تتراوح بين الإنذار والوقف عن العمل لفترة زمنية، للمذيع أو البرنامج نفسه.

وقال حمدي الكنيسي رئيس نقابة الإعلاميين في تصريحات لـ”العرب” إن البرامج المدفوعة أضافت إلى الإعلام المصري أزمات كثيرة هو في غنى عنها، فلديه ما يكفي من المشكلات، لأن القنوات تتعامل مع هذه البرامج دون ضوابط حاكمة أو اشتراطات تضمن التزام مقدميها المعايير المهنية والأخلاقية.

وأضاف أن بعض الفضائيات تلجأ إلى بيع وقت البث لتعويض جزء من خسائرها وشُحّ الإعلانات، وفي كثير من الأحيان لا تتدخل في المحتوى ولا طريقة تقديمه للجمهور أو حتى الضيوف، وهذه كارثة تستوجب التدخل العاجل من قبل النقابة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وأوضح الكنيسي، أنه سوف تتم مساءلة مقدّمي البرامج المدفوعة على أخطائهم، حتى لو وصل الأمر إلى وقفهم، والمشكلة أن أكثرهم غير مؤهلين ولم يتخرجوا من كليات الإعلام، لكن طالما مارسوا العمل الإعلامي وظهروا على الشاشات سوف نتعامل معهم كإعلاميين، مع تقنين ظاهرة البرامج المدفوعة كليّا لتلتزم بالمعايير المهنية.

وتصطدم تحركات النقابة والمجلس الأعلى للإعلام لتقنين وضع هذه البرامج، بالقنوات التي تبرر موقفها بأن ذلك جزءا من السياسات المالية لها، كنوع من زيادة العائد وتعويض الخسائر.

ويتهم البعض الجهات الرقابية بأنها تطلق حملات مسعورة على البرامج والقنوات التلفزيونية للتحكم في المشهد الإعلامي برمّته، تحت اسم تطبيق المهنية ومحاربة الجهل الإعلامي.

حمدي الكنيسي: القنوات تتعامل مع هذه البرامج دون ضوابط تضمن التزامها بالمعايير

وسبق أن أوقفت النقابة ومجلس الإعلام برامج ومذيعين بعد اتهامهم بعدم المهنية في استضافة ضيف الحلقة أو الموضوع المطروحين ثم عادوا سريعا إلى أماكنهم، دون أن يتغير شيء في مضمون تلك البرامج، وهو ما يفقد الجهة الرقابية دورها.

وكانت نقابة الإعلاميين أوقفت المذيعة دعاء صلاح، مقدمة برنامج “دودي شو” على فضائية النهار، وهو من البرامج المدفوعة، بسبب إحدى الحلقات التي وصفتها النقابة بأنها تجاوز أخلاقي ومهني في الترويج لأفكار غير أخلاقية، وظهرت المذيعة وكأنها تروّج لفكرة الإنجاب دون زواج.

وتعاني بعض المحطات الفضائية في مصر من أزمات مالية طاحنة، دفع بعضها للاندماج في كيانات كبيرة لتقليل حجم الخسائر، مع خفض عدد البرامج الحوارية وتعويضها بمسلسلات أو بيع أجزاء من الوقت لأشخاص أو مؤسسات مقابل عوائد مادية، وأصبحت تذهب أكثر المواد الإعلانية للقنوات صاحبة نسب المشاهدة الأعلى. وتعتبر ظاهرة شراء الوقت في الفضائيات ليست محليّة، وتنتشر في الكثير من دول العالم، لكن الفارق يكمن في أن القنوات المصرية لا تتدخل في سياسة البرامج المدفوعة، للحفاظ على التعاقد المبرم بينها وبين الجهة التي تستأجر منها البث.

ويرى خبراء إعلام أن تحوّل الفضائيات إلى ما يشبه متاجر لعرض الملابس يضاعف من الأخطاء المهنية، وتتعاظم الأزمة بعدم وجود رقيب عليها، من داخل المحطة أو من خارجها، ما يسهل من انتشار محتوى إعلامي دون ضوابط أو حتى الخضوع للمراجعة، وتكمن المشكلة الأكبر عندما تكون القناة لها نسبة مشاهدة عالية.

واعتبر هؤلاء أن تحوّل الخارطة الإعلامية والسياسة التحريرية من إدارة القناة لتكون بيد من يملك المال، يزيد الفوضى على الشاشات، وهنا يدفع الجمهور وحده الثمن، خاصة إذا كان مقدّم المحتوى الإعلامي، يبحث فقط عن عوائد مادية، سواء كانت في صورة إعلانات أو استضافة أشخاص يريدون الترويج لأنفسهم عبر استغلال اسم المحطة.

وهناك نوع من البرامج المدفوعة، يقوم على شراء أشخاص لأجزاء من وقت البث على الشاشة، للترويج لأنفسهم، بدافع الشهرة أو الوجاهة الاجتماعية والسياسية بما يتنافى مع القواعد المهنية.

ويقول بعض الخبراء، إن تقديم هذه النوعية من البرامج على الفضائيات دون أن توضح المحطة لجمهورها أن هذه المادة إعلانية، هو “نوع من الخداع”، لأن غالبية الجمهور يعتبرون أنها صادرة عن المحطة ضمن برامجها المقدّمة، وليست خاصة بشخص أو جهة.

وأوضح محمـد المرسي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن شراء أجزاء من وقت البث ليس أزمة، لكنه يتم في مصر دون معايير، وفي صورة تعكس مدى الفوضى الإعلامية حاليا، بعدما أصبح المحتوى في يد من يملكون المال فقط.

وأشار لـ”العرب” إلى أن غياب المذيع المؤهل وعدم التدخل في فرض سياسة تحريرية عند بيع وقت البث على القنوات يجعل المشاهد عرضة لمحتوى إعلامي قد يكون موجها لتمرير أجندة معيّنة بعيدا عن الترويج لسلعة أو منتج كما هو ظاهر.

18