"طلاق تكتيكي" بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية

الاثنين 2018/01/08
إعادة رسم المشهد السياسي يستدعي استدراك فشل التوافق

تونس - اختارت حركة نداء تونس إبقاء الباب مواربا في تحالفها مع حركة النهضة الإسلامية، التي اهتزت بقوة، حتى اقتربت كثيرا من القطيعة بعد الاتهامات التي وُجّهت للنهضة بـ”الغدر” وبـ”ازدواجية الخطاب السياسي” في أعقاب الانتخابات التشريعية الجزئية بدائرة ألمانيا.

وترافق هذا الموقف الذي بدأ يثير جدلا متصاعدا في البلاد مع وصف حزب آفاق تونس (10 مقاعد برلمانية)، العلاقة بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية بـ”التوافق المغشوش”، قبل إعلان انسحابه من وثيقة قرطاج، وذلك في تطور سياسي لافت يأتي بعد أيام قليلة من انسحابه من الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

وعكست هذه التطورات التي تتفاعل على أكثر من صعيد، مناخا سياسيا متوترا، بات يستدعي ضرورة الدفع نحو القيام بعملية فرز سياسي حقيقي على قاعدة المشروعين المتصارعين، أي المشروع الوطني الحداثي العصري ومشروع الإسلام السياسي بكل تفرعاته، بما يضع حدا لـ”التوافق المغشوش” بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية.

ورغم الارتباك والالتباسات العديدة التي أحاطت بالعلاقة بين الحركتين المذكورتين، وما أفرزته من سجال سياسي متواصل بسبب تشوه المشهد الحزبي واختلال توازناته، قررت حركة نداء تونس الاكتفاء بـ”التمايز″ في علاقتها مع حركة النهضة، على أساس “التنافس السياسي”.

وقالت الحركة في بيان حمل توقيع مديرها التنفيذي حافظ قائد السبسي نجل الرئيس التونسي، وزعته ليل السبت، في أعقاب ندوة لكوادرها خُصصت لمراجعة مواقفها السياسية، إن علاقتها بحركة النهضة “تختصر في وثيقة قرطاج، وإن توافقها الوحيد مع أي طرف سياسي هو التوافق العام على المصالح العليا للدولة”.

وأضافت أن خطها السياسي الرسمي، هو “خط المنافسة السياسية الذي يتبنى الرؤية الواضحة والمتفردة والمتمايزة عن رؤية بقية المنافسين السياسيين على مستوى المشروع المجتمعي والسياسي والمتمثل في الخط الوطني الإصلاحي الحداثي”.

وأكدت في بيانها أن حركة النهضة ستكون المنافس الرئيسي لها خلال الانتخابات البلدية المُقرر تنظيمها في السادس من مايو المقبل، حيث قالت في بيانها إنها “ستدافع خلال الانتخابات عن مشروعها الوطني العصري المدني في منافسة رئيسية للمشروع الذي تمثله حركة النهضة”.

وأقرت في المقابل، بأن التحالفات التي عقدتها بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2014، “تسببت في التباسات في الموقف، وانتقادات داخل صفها الذي اخترقته الصراعات والانشقاقات التي كانت في جزء منها نتيجة هذا التوجه”، وذلك في إشارة مباشرة إلى تحالفها مع حركة النهضة.

وطرحت هذه المواقف، وخاصة منها تلك التي تضمنت تأكيدا على أن مشروع حركة النهضة يتناقض مع مشروع النداء “الوطني العصري المدني”، علامات استفهام عديدة حول التموقع السياسي الجديد لحركة نداء تونس، وما إذا كانت انتقلت فعليا إلى ضفة سياسية جديدة غير تلك التي كانت تُميز اصطفافها وتحالفها مع حركة النهضة الإسلامية.

وتُحاول قيادة حركة نداء تونس الدفع باتجاه إعطاء انطباع بأن هذا الموقف يعكس نهجا جديدا أملته مراجعة سياسية عميقة استدعت الابتعاد ولو قليلا عن حركة النهضة الإسلامية، وتقنين علاقاتها بها بفعل اضطرابها وتشوه أبعادها.

غير أن هذه المحاولة تصطدم بقراءة أخرى ترى أن موقف “التمايز″ الذي أقرته حركة نداء تونس لم يكن مفاجئا، وهو يؤكد أن هذه الحركة لم تحسم بشكل واضح في علاقاتها بحركة النهضة الإسلامية، وأن موقفها يُخفي قطيعة “مُلتبسة”، أو”مُخادعة”، وهو قابل للتأويل والتوظيف، ولا يرتقي إلى درجة الاهتزاز الذي عرفته تلك العلاقة.

ويؤكد هذه القراءة، يوسف الجويني، النائب البرلماني المستقيل من كتلة حركة نداء تونس، الذي وصف موقف حركة نداء تونس بشأن علاقاتها مع حركة النهضة الإسلامية بأنه “طلاق تكتيكي” لتوفير أسباب النجاح في الانتخابات البلدية (المحلية) التي باتت على الأبواب.

ويرى مراقبون أن هذه القراءة تجد أيضا تأكيدا لها في موقف حركة النهضة الإسلامية التي لم تتأخر في الرد على هذا التوجه السياسي الجديد لحركة نداء تونس، حيث اعتبرت في تصريح للناطق الرسمي باسمها عماد الخميري، أن الحديث عن المنافسة “لا ينفي التوافق”.

وقال الخميري إن حركتي النهضة ونداء تونس، هما حزبان يتنافسان في المحطات الانتخابية، وإن المنافسة مفيدة للديمقراطية في البلاد وإنها “لا تعني نهاية التوافق ونهاية القواسم المشتركة بينهما”.

وفي ظل هذا الوضع الذي ترافق مع سلسلة من المؤشرات التي أضفت المزيد من الغموض والضبابية على سلوك حركة نداء تونس، بدأت من تشعبات العلاقة مع حركة النهضة، وما أفرزته وتفرزه من تداعيات، تؤكد مجمل القراءات السياسية أن الموقف الجديد لحركة نداء تونس هو مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي والدعاية السياسية.

وأملت حسابات المشهد الحزبي الراهن والمعادلات السياسية التي تتبدل وتتغير تبعا لقرب الاستحقاق الانتخابي، مثل هذا الموقف الذي بدت فيه حركة نداء تونس كأنها لا ترغب في حصول قطيعة بينها وبين حركة النهضة الإسلامية مهما تعددت الملفات الخلافية.

وتبدو حركة نداء تونس كأنها تحرص على استمرار التواصل مع حركة النهضة على مستويات متعددة، وإن كان بعضها قد تأثر نسبيا بالتباينات من دون أن يترتب على ذلك ما يفرض عليها القطيعة التي من شأنها إعادة رسم المشهد السياسي على قاعدة استدراك فشل خيار التوافق، وذلك في مقاربة للتطورات السياسية وتداعياتها وما تفرضه من حسابات ومعادلات جديدة.

للمزيد:

الانسحابات من وثيقة قرطاج تمهد لمشهد سياسي جديد

1