يناير 09, 2018

موت الناقد

بعد أن نعى رولان بارت موت المؤلف في بداية مرحلته البنيوية، تحول هذا النعي إلى ظاهرة لافتة في الحياة الثقافية الغربية، عكس طبيعة التحولات التي كانت وما زالت تعيشها هذه الثقافة. آخر هذه الإعلانات كان إعلان الباحث الأميركي رونان ماكدونالد عن موت الناقد، في كتابه الذي حمل نفس العنوان.

هذا الكتاب على الرغم من دلالة عنوانه العامة، إلا أنه يتحدث عن موت النقد الأكاديمي، الذي تسيطر على دراساته أحكام القيمة. إن هذا الإعلان وبغض النظر عن دلالته المحددة، يأتي في سياق عام بدأ يتشكل منذ عقد السبعينات من القرن الماضي، في إطار التحولات الكبيرة لمرحلة ما بعد الحداثة، سواء على مستوى الخطاب النقدي، أو نظرية المعرفة والفلسفة القائمة على الشك والقطيعة مع معطيات ثقافة الحداثة. لذلك فإن إعلانات الموت المتتالية كانت تأكيدا على هذه القطيعة، واستكمالا لعملية التحلل من أشكال التفكير وثقافة الحداثة السائدة.

إن مسألة حكم القيمة في النقد لا ترتبط بالنقد الأكاديمي وحده، فقد كانت جزءا من الممارسة النقدية، التي كانت تمنح الناقد سلطة يبدو أن تحطيم اليقينيات التي جاءت بها ما بعد الحداثة عمل على نعي هذه السلطة من خلال نعي الناقد كمرجعية في تحديد قيمة النص من عدمها. العجيب أن ما بعد الحداثة استبدلت سلطة بسلطة، عندما أعلت من شأن النص وخفضت من شأن الناقد، وهو ما ظهر مع تيارات النقد البنيوي وما بعد عندما أصبح الأخير مركز اهتمام النظريات النقدية الحديثة، ومحور اهتمامها الأساس.

إن هذه الرغبة في تحرير النص من سلطة النقد، والتخلص من سلطة الناقد لا تعني أن نستبدل سلطة الناقد بسلطة النص، وإلا فكيف نتفق على مفاهيم معيارية يمكن على أساسها أن نحدد قيمة النص الجمالية. صحيح أن هذا الجانب المعياري يظل نسبيا، خاصة أن الناقد مهما حاول أن يكون موضوعيا لا بد أن يلعب ذوقه الجمالي دورا في طبيعة أحكامه النقدية، الأمر الذي يعيدنا مرة أخرى إلى مسألة النسبية في التعاطي مع الأحكام التي يطلقها الناقد على عمل ما.

إذا ليس صحيحا أن النقد الأكاديمي هو الذي يمارس الوصاية على النص الأدبي، هناك معايير نقدية تخضع لها عملية دراسة النص، لكنها ليست نهائية نظرا للعلاقة الجدلية القائمة بين النص والواقع والفكر. ما بعد الحداثة لم تعمل على تصحيح هذه العلاقة وتطويرها عندما جردت الناقد من حقه في تحديد قيمة النص لأن القيمة أصبحت متضمنة في السلعة نفسها.

كاتب سوري

15