تبرير ظاهرة الرشوة.. سقوط أخلاقي أم منطق يمليه الواقع

الثلاثاء 2018/01/09
المسايرة لتسريع وتسهيل خدمة ما

أن تدسّ ورقة نقدية في كف موظف من أجل تسهيل وتسريع خدمة ما دون مبرر قانوني واضح، أمر شائع ومعروف في كافة البلدان العربية بل وفي بلاد كثيرة من العالم تحت مسمّيات كثيرة. لكن ما يجعل الرشوة مدانة من حيث الأخلاق والقانون هو أنه ليست لها أي مبررات منطقية.

الموظف المرتشي يقبض من يد ثانية غير الجهة التي تشغّله وتمده براتب مقابل خدماته، وهذا في حد ذاته كاف لطرح وابل من الأسئلة البديهية والبسيطة والمتناسلة: مقابل ماذا تقبض هذا المبلغ؟ من خوّل لك ذلك؟ وماذا لو لم يتم مدك بهذا المبلغ، هل سيحصل هذا المواطن أو الزبون على هذه الخدمة وبنفس المواصفات؟

قد يبرر المرتشي فعله بالقول إن هذا الأمر قد تم بمنتهى الرضاء ولكن الراشي كان مجبرا على الدفع تحت تهديد حرمانه من هذه الخدمة أو التأخير في تسديدها أو التقصير في مواصفاتها. وقد يبرر المرتشي أيضا فعله بأن المبلغ الذي وصله كان على شكل هدية، ولكن الهدايا لا تعطى ونحن مرغمون أو تحت التهديد أو بمقابل خدمة ما.

العشرات من المبررات تساق من طرف الراشي والمرتشي على حد سواء، وتحت مسميات عديدة، ذلك أن المستفيد ـ أي مستفيد ـ يبرّر دائما فعله تحت ذرائع أخلاقية وغالبا ما تسعفه اللغة المطاطة في هذا المجال كأن يقول الراشي للمرتشي “هذه هدية بسيطة للأطفال”.

قد يبرر المرتشي فعله بالقول إن هذا الأمر قد تم بمنتهى الرضاء ولكن الراشي كان مجبرا على الدفع تحت تهديد حرمانه من هذه الخدمة أو التأخير في تسديدها أو التقصير في مواصفاتها

الرشوة تنتعش في الأزمات وعند الهزات الاقتصادية والسياسية ففي تونس، منطلق ما بات يعرف بالربيع العربي، أفادت تقارير صدرت في السنوات الأخيرة تصنف تونس في طليعة الدول الأكثر تعاملا بالرشوة فمن البنك الدولي إلى المعهد العربي لرؤساء المؤسسات مرورا بالمنظمات والجمعيات المحلية ثمة إجماع لدى هذه الهيئات على أن ظاهرة الفساد تنامت بعد الحراك الشعبي الذي شهدته تونس سنة 2011 وأدى إلى سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

النسبة في بقية البلدان العربية ما عدا دول الخليج، وبصورة متفاوتة، تزيد حتى عن تونس التي طالما عرفت بالانضباط الإداري في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وفي هذا الصدد جاء في سبر للآراء قام به المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أن 36.6 بالمئة من التونسيين يعتبرون أن الفساد المالي بقي في نفس المستوى الذي كان عليه خلال العامين الأخيرين من حكم نظام بن علي، في حين يرى 34.1 بالمئة أن مستوى الفساد المالي تراجع. ورأت أقلية مقدرة بـ11 بالمئة أن هذه الظاهرة تنامت خلال السنوات الأخيرة.

وكانت الجمعية التونسية للمراقبين العموميين قد قدرت حجم المبالغ المدفوعة بعنوان رشوة في تونس بأكثر من 200 مليون دولار، دون اعتبار الهدايا الأخرى والتسهيلات والرحلات والسيارات وحتى العقارات وما إلى ذلك من امتيازات يمنحها صاحب الخدمة إلى من يقدمها من موظفين وممثلين للدولة في الهيئات التحكيمية وتلك المكلفة بالفصل في النزاعات على اختلاف درجاتها.

ولا يتعلق الأمر عند التعامل بالرشوة في العالم العربي على القضايا الكبيرة، إذ يضطر المواطن البسيط في أغلب الأحيان إلى دفع مبلغ من المال لاستخراج وثيقة اعتيادية وبسيطة، وذلك لتفادي الاكتظاظ ونفس الواقع ينطبق أيضا على باقي الدوائر الحكومية كخدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.

وأفرزت مرحلة ما بعد الحراك الشعبي لسنة 2011 في تونس وغيرها من بلدان الربيع نوعا جديدا من المتعاملين بالرشوة، حيث استثرى العديد من المؤتمنين العدليين والمتصرفين القضائيين الذين تم تعيينهم لإدارة ما بات يعرف في تونس بالأملاك المصادرة.

وفي استجواب للتونسيين قامت به الجمعية التونسية للمراقبين العموميين تبيّن أن الموظف الإداري هو المتسبب في تفشي الرشوة في المؤسسات الإدارية بنسبة 56 بالمئة، إذ يحتل سلكا الأمن والجمارك صدارة القطاعات المعنية بالفساد الصغير ثم القضاء والصحة ثم الجماعات المحلية ثم البنوك ثم قطاع التأمين ثم الرياضة، يليها التعليم والأحزاب والإعلام والنقابات.

وتبقى الرشوة مدانة في كل العقائد، بل وجعلت رمزا وعنوانا للخراب حتى في تفسير المنامات، إذ جاء في حديث لأحد المفسّرين أن أخذ الرشوة أو قبول الشخص للرشوة في المنام سواء من شخص يعرفه الرائي أو شخص مجهول لا يعرفه ترمـز إلى وجـود مصالح مشتركة بين الرائي وهـذا الشخص ولكنها “مصالح شيطانية محرمة، وتلك الرؤيـة ترمز إلى فسـاد الدين والأخلاق والتربية”.

حجر الزاوية في صرح الفساد

العدل أساس الحضارة والعمران

قيل إن سور الصين العظيم والمنيع قد وقع اقتحامه بفعل رشوة موظف كان يعمل حارسا عند بوابته المحكمة. الرشوة تشخيص مصغر وملطّف لفعل الخيـانة، ذلـك أنهـا نـوع مـن التـآمر الخفي بـين الراشي والمرتشي على سلطة القانون التي هي هيكل الدولة ومصدر قوتها واستمرارها.. ألم يقل ابن خلدون “العدل أساس العمران”.

لا يصلح الأفراد والمجتمعات ولا تقوم الحضارات إلا بخلوها من هذا المرض العضال الذي يسمونه الرشوة. تفتك هذه الآفة بالمجتمعات وتسير كالنار في الهشيم وكالسوسة في العظم، يصعب إيقافها والقضاء عليها بعد أن تمتد بعيدا في الجسم المجتمعي ولا يمكن ساعتها القضاء عليها إلا بالبتر، وهذا “البتر” هو سلطة القانون الرادعة.

وقبل تطبيق القانون بمفهومه التنفيذي، ينبغي الاهتمام بالعقلية المجتمعية السائدة وإرساء ثقافة العمل والجدية والمواطنة، ذلك أن فعل الرشوة عادة ما يتم في كنف السرّية دون رقابة إدارية، وعليه فإن رقابة الضمير هي الأساس في بناء الفرد وحماية المجتمع والدولة.

تتقاطع وتقترن آفة الرشوة مع أمراض اجتماعية كثيرة، فهي تشبه السرقة من حيث وقوع الفعل في الظلام والسرية والتعـدي على حق الغير. كما تلتصق بالنفاق والكذب في كونها تظهر عكس ما تبطن، فلا الراشي يحب المرتشي ولا المرتشي يحب الراشي وكل ما بين الطرفين هو التقاء مصلحة فردية خارج الدائرة القانونية والأخلاقية.

لسنا بطبيعة الحال في معرض إدانة الرشـوة بصيـغ الوعـظ والإرشـاد مـن تلـك التي عادة ما نملّها على المنابر، لكن من الضروري التنبيه إلى أن مجرد غض النظر عن هذه الآفة والقول بأنها سلوك يومي يمارس كل يوم في الدوائر الحكومية وغير الحكومية، هو تسويغ للرشوة وإعطائها صفة العادة الاجتماعية، وهو أمر في غاية الخطورة.

ومن الضروري إدانة من لا يدين الرشوة ويعتبرها مجرد سلوك منحرف يمارس بكثرة حتى أصبح شبيها بـ“الطبيعة الثانية” على قول أرسطو، ومن الواجب القضاء على الرشوة بالامتناع عن ممارستها فعلا أو تقبلا أي راشـين أو مـرتشين، وذلـك أضعـف الإيمـان.

الرشوة تتقاطع مع أمراض اجتماعية كثيرة، فهي تشبه السرقة من حيث وقوع الفعل في الظلام والسرية والتعدي على حق الغير، كما تلتصق بالنفاق والكذب

وخاطئ من يتشدق بعبارة أنه “للقضاء على الرشوة يجب القضاء على أسبابها” والمقصود بالأسباب هنا هو حالة العوز المادي التي تدفع بالموظف للارتشاء.

إن من يبرر تفشي الرشوة في المجتمع ويربطها بالوضعيات الاجتماعية الصعبة لهو كمن يبرر فعل الكذب بالسعي للنجاة من العدالة، إذ لا شيء يبرر الرذيلة ولا يمكن أن نغفر لمن يساهم في تشويه مجتمع بأكمله. وآفة الرشوة لا تقتصر على مجرد مصلحة بين طرفين مارسها كل منهما بمنتهى الحرية والمسؤولية. إنها تتعدى ذلك إلى تشويه الأجيال القادمة وتعويدها على أن هذا السلوك طبيعي.

الرشوة مثل المخدرات وربما أكثر، ذلك أنها ترسي سلوكا يساهم في اعوجاج الفرد والمجتمع، وتخلق حالة تبدأ بازدراء القانون وتنتهي عند تكريس التفرقة ومحاكمة الناس على أساس ما يملك من نقود أو قدرة على شراء الذمم.

الرشوة في أبشع وأخطر أشكالها هي تلك التي يمارسها رجال الأمن والقانون، والذين هم في مواقع يفترض أن تتقصى المرتشين وتقدم النموذج والمثال. وفي هذا الصدد تناقلت أخيرا وسائل إعلام في دولة عربية شريط فيديو يصور رجل أمن يطلب نقودا من سائق سيارة.

وفيما يخص هذه الحالة، أوضحت المحامية التونسية هدى بن مصطفى، أنه إذا ثبتت جريمة الرشوة على عون الأمن وهو موظف عمومي من صميم مهامه أنه مكلف بالبحث عن الجرائم ومعاينتها بصفته ضابطة عدلية وليس ارتكاب الجرائم، فإن الفصل 83 يفرض عقوبة سجنية تحدد بـ“10 سنوات سجنا إذا كان رجل الأمن وسيطا في عملية الرشوة” ويمكن أن تحرمه المحكمة من مباشرة وظائفه العمومية وذلك كحد أدنى للعقوبة.

وبينت المحامية أنه في حال ثبوت أن عنصر الأمن هو الذي طلب الرشوة وأصر على قبولها ولم يكن في وضعية المتلقي، فإنه بناء على الفصل 84 من المجلة الجزائية تتضاعف العقوبة لتصبح 20 سنة سجنا مع حرمانه من الوظائف العمومية باعتباره مؤتمنا على أسرار الدولة وتسمّى هذه العقوبة حالة تجديد.

وأضافت المحامية أن العقوبة السجنية تطبق على المرتشي وذلـك بقطع النظر عن قيمة الرشوة التي تحصل عليها أثناء أداء مهامه.

رفض الرشوة تجديف عكس التيار

ليس من الحكمة معاكسة الواقع

إذا أردت أن تستمر حياتك دون دفع خارج الفاتورة، فألزم بيتك ولا تخرج منه أبدا يا دونكيشوت العصر. الحقيقة أن المدان في “الرشوة” هو الكلمة وليس الفعل، وذلك لشدة ارتباط هذه الكلمة بالقاموس الأخلاقي والملفات القضائية المتعلقة بمكافحة الفساد.

العامل النفسي يلعب دورا كبيرا في هذا الموضوع ومدى التقبل والإقبال أو الرفض والإدانة، ذلك أن كلمة “رشوة” هي في حقيقتها توصيف قانوني فلا يستخدمها لا الراشي ولا المرتشي، وعادة ما يستبدلونها بعبارات أخرى يعج بها القاموس الاجتماعي والمخيال الشعبي.

وإذا أردنا أن نصنّف كل عملية دفع خارج إطار الواجب الذي تحدده الأعراف والقوانين، فإنه ـ وبهذا المنطق ـ يصبح كل سلوك استلطاف رشوة يعاقب عليها القانون وتدينها الأخلاق، مثل البقشيش و”الجعالة” والصدقة والهدية والحافز والهبة وغيرها من المعاملات التي تتضمن الدفع المادي وحتى المعنوي.

لسنا طبعا في معرض شرعنة الرشوة وإكسابها صفة العرف الاجتماعي الذي ينبغي احترامه، لكن الواقع يفرض عليك المسايرة وإلا فستجد نفسك في موقع العزلة وعدم الانسجام مع العصر، ثم إنك لست منفصلا عن هذه الماكينة الاجتماعية والإدارية وحتى الرسمية.

ولا يمكن تهويل الأمر وتصوير كل عملية مجاملة اجتماعية على أنها رشوة وينتظرها عقاب إلهي وقانوني، ذلك أن سنّة الحياة تتمثل في جدلية “خذ وهات”، فمن سوء التقدير والمبالغة أن نعتبر بعض الدريهمات التي تدس في كـف من هو محتاج إليها، رشوة.

ليس من اللائق أن لا تقدم “إكرامية” لموظف بسيط وفقير ركض في ممرات دائرة حكومية وتحمل التعب نزولا وصعودا بين الأدراج من أجل أن يختصر عليك الوقت ويعوضك مشقة الاعتذار. وليس من الكياسة أن تكسر بخاطر من يستقبلك ببشاشة ويودعك بابتسامة ويهدي إليك الكلمة الطيبة، والتي هي بمثابة الصدقة في الدين.

اللطف صار عملة نادرة في المدن العربية المكتظة بالعبوس والتجهم وسط واقع صعب، ولا بد من مكافأة الموظف اللطيف بشيء أقرب إلى الرمزية منه إلى الرشوة التي صارت حجرا يتراشق به المصطادون في المياه العكرة بعضهم بعضا.

سنة الحياة تتمثل في جدلية "خذ وهات"، فمن سوء التقدير والمبالغة أن نعتبر بعض الدريهمات التي تدس في كف من هو محتاج إليها، رشوة

الأصل في الناس، ومنذ أقدم العصور هو المصلحة المشتركة، فلا أحد يقدم للثاني خدمة دون مقابل حتى لو كان هذا المقابل معنويا، وما يسمّيه الكثير بالرشوة ينضوي في هذا الإطار وبنسب وتقديرات متفاوتة.

الرد المتوقع من المهووسين بكيل الاتهامات خلف هذه الفرضية البديهية هو: الموظف يتقاضى راتبا، فلماذا الارتشاء؟ نعم، إنه يتقاضى راتبا من الدولة، لكن هذا الراتب لا يكفيه حتى قدر “الرشاوى” التي سوف يمنحها لزملاء له في دوائر أخرى عندما يحتاج إلى معاملة.

إن كل راش هنا هو بحكم الضرورة مرتش هناك. ولا يمكن بـأي حال مـن الأحـوال ممـارسة لعبة عض الأصابع بين الطرفين أي امتناع “الراشي” عن العطاء وامتناع “المرتشي” عن القبض، وبسبب ذلك كان من الضروري نعت هذه المصلحة المشتركة بتبادل الهدايا وفق منطق واحد وكفى المؤمنين شر القتال.

الحقيقة أن ما يدس في كف الموظف ليس هبة ولا عطية مجانية بل مقابل خدمة قدمها، وقد يقول قائل إن هذه الخدمة واجب عليه وهي أيضا متاحة للجميع فلماذا تكريسها عبر هذه العملية المدانة في عمقها الأخلاقي والاجتماعي؟

الجواب بسيط، وهو أن ما يدفع من نقود لموظف خارج راتبه الأصلي هو مقابل خدمة إضافية تتمثل في اختصار الزمان والمكان، الأمر المعروف بخدمة “في أي بي” وهي منتشرة في كل قطاعات الخدمات في العالم، ويمكن لبعضهم أن يتفنن ويسميها “رشوة مقنعة”.

إن ما تعيشه بعض البلدان العربية وغيرها من غلاء المعيشة أمام الرواتب والأجور هو عبارة عن بطالة مقنعة، ولا يمكن لهذه الظاهرة ألا تنتج رشاوى مقنعة تحت عناوين شتى على شاكلة “هدية للأطفال” أو “قهوة” أو “فنجان شاي” وكذلك أيضا “قدح من النبيذ”، كما هي العبـارة المتـداولة بفرنسا.

وقس على ذلك حسب ثقافة كل مجتمع وتقاليده غير أننا نؤوّل الأمور كثيرا في البلدان العربية، وكثيرا ما نخلط بين حالات فساد موصوفة يمارسها أناس أغنياء ومتنفذون وبين الموظفين الفقراء.. إنه المثل العامي الذي يساوي بين عربدة الفقير من حيث التشهير وبين ميتة الغني من حيث الشهرة على نطاق أوسع، وفي المقابل فإن لا أحد يهتم لميتة الفقير وعربدة الغني.. الرشوة قديمة قدم التاريخ.

12