يناير 09, 2018

أمام الأجانب

أسكن في مدينة ذات شخصية في جنوب إنكلترا. للمدينة أهمية تاريخية وكانت عاصمة لملوك الساكسون قبل الفتح النورماندي. وهي رغم صغرها تتباهى بكاتدرائية عريقة وشهيرة.

ذات صيف رأيت عمالا يروحون ويجيئون على الرصيف المقابل لمحطة القطار. المحطة صغيرة وفيها رصيفان: الأول للقطار الصاعد إلى لندن والثاني للقادم من العاصمة. كان العمال منشغلين بدهان جدران المحطة وأعمدتها وأسقف الأرصفة. وجاء آخرون وصاروا يوزعون أصص الزهور الباهرة الألوان على الرصيفين ويعلقون البعض على الجدران.

صارت المحطة جميلة فعلا. استعلمت فعرفت أن صاحبة الجلالة إليزابيث الثانية آتية لزيارة الكاتدرائية وأنها ستصل في القطار الملكي وسيكون هناك جوق موسيقي وأطفال عندهم أعلام صغيرة وورود يلوحون بها. جاءت الملكة وراحت وظلت محطة القطار جميلة لزمن، واعتنى ناظر المحطة بأصص الورد لسنين، صرت كلما قصدت المحطة المزوقة أتذكر زيارة الملكة. وتذكرت الزيارة الملكية قبل بضع سنين حين زار الرئيس الأميركي باراك أوباما القاهرة.

زيارة الرئيس تضمنت فقرات سياحية، منها زيارة لجامع السلطان حسن، وهو جامع من العصر المملوكي جميل وشجاع معا. شوارع القاهرة في حاجة إلى التنظيف والتجميل أكثر من محطة القطار في مدينتي الإنكليزية.

شوارع القاهرة لمن يزورها لأول مرة تبدو كأنها مهرجان أزبال وأكياس شيبسي فارغة وعلب كوكاكولا لايت تتدحرج بحرية. وكأن مهرجان القمامة يتطلب أن يساهم كل مواطن بأن يحضر معه من البيت علبا وأكياسا فارغة ويرميها لتمنح الشوارع ألوانا “ونسيجا” ثريا. عشية زيارة الرئيس الأميركي سهر عمال النظافة وتولوا منطقة القلعة كلها بالكنس والشطف بالماء والصابون. لم يشهد الجامع العتيق محيطا بهيجا مثل ذلك منذ أيام السلطان حسن نفسه. وفي الصباح وقبل الزيارة الموعودة بساعتين طافت بالمنطقة سيارات تحمل أصص الزهور والورود وشجيرات أنيقة وزعوها على الأرصفة بنسق بديع.

جاء الرئيس وتفرج وانبهر وغادر. بعد رحيله عن المنطقة بأقل من ساعة عادت سيارات المحافظة لالتقاط أصص الورود والشجيرات ورفعها عن الأرصفة. مارسوا عملهم بهمة ونشاط وكأنهم يستكثرون على المواطن أن يمشي وسط زهور وورود وشجيرات ولو لساعة.

قد يبدو فعلهم نذلا ولكن والحق يقال أنهم مارسوا نبلا أيضا. فقد لاحظت أنهم لم يعيدوا الزبالة التي التقطوها ليلة البارحة، ولم يرشوا الأتربة والأوساخ التي رفعوها بالأمس، وهذا يحسب في ميزان حسناتهم. بلغ بهم النبل أنهم سمحوا لمواطنهم أن يمشي في شارع نظيف، شأنه شأن الأجانب.

24