المرأة الصحافية وسط عاصفة التحرش

الثلاثاء 2018/01/09

هو بحث عن مدينة فاضلة تسود فيها العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين، ذلك شعار عظيم ظل شغلا شاغلا لأجيال عدة.

ولأنه شعار متجدد، فإنه يعيش في ما بيننا بشكل دائم لجهة الطموح المفرط في تجاوز العلل الاجتماعية المزمنة.

في الوقت نفسه تثير موجة الشكاوى والإدعاءات المتعلقة بالابتزاز والتحرش الذي تعرضت له صحافيات وعاملات في الوسط الإعلامي الغربي أكثر من علامة استغراب.

المحاكم سواء البريطانية أو الأميركية وصلتها تلك الشكاوى وانتشرت أخبارها سريعا وظلت حتى الساعة موضوعا ساخنا في كبريات الصحف الغربية بينما مرت نتف منها على صعيد الصحافة العربية مما تجود به الوكالات من أخبار.

تعيد هذه الظاهرة إشكالية المساواة وتكافؤ الفرص في الوسط الصحافي إلى نقطة حرجة في زمن يفترض فيه أن المجتمعات قد تجاوزت ذلك بفضل التشريعات والقوانين ومستوى الحريات والرفاهية.

المسؤول الرفيع الذي لامس ركبة الصحافية والآخر الذي عانق صحافية بقصد التحرش وثالث قدم هدية بقصد الإغواء ورابع وخامس وصولا إلى غرفة التحرير، حيث الاستحواذ الذكوري على منصة الصحافة وحيث الغالبية من كتاب الأعمدة والصحافيين ومقدمي البرامج ذائعة الصيت هم من الذكور.

سوف يسارع البعض إلى القول إنها مسألة كفاءة ومهنية والمرأة قد لا توفق في بعض الساحات في الوصول إلى منطقة المنافسة والتفوق، لكن هل يسوّغ ذلك اللجوء إلى التحرش مثلا؟

نشرت صحيفة الغارديان عنوانا عريضا مؤخرا هو “الصحافة تحت النار بسبب تفشّي ظاهرة التحرش” لا سيما مع انتشار قصص تحرش سابقة جرت وقائعها في أروقة المؤسسة الإعلامية الأعرق، هيئة الإذاعة البريطانية.

الصحافيتان لاورا كوينسبيرغ وإيما بارنيت تحوّلتا فجأة إلى اسمين يتصدران القصص الصحافية في ما يتعلق بظاهرة التحرش التي تعرضن لها فضلا عن أسماء لوزراء وبرلمانيين حتى كادت الفضيحة أن تنال من سمعة الحكومة البريطانية لولا استقالة وزيرين فيها على الأقل على وقع الفضيحة.

تروي الصحافية المستقلة شاهين باشا وقائع صريحة تتعلق بها شخصيا وهي تتنقل من الشرق الأوسط إلى أفريقيا إلى أميركا اللاتينية لأداء مهامها الصحافية، وخلال ذلك تؤكد أن ظاهرة التحرش تصبح أحيانا جزءا لا يتجزأ من عمل الصحافية.

بالطبع يؤكد ذلك تقرير منظمة الصحافة العالمية الذي يورد إحصائية تختصر الكثير من الكلام مفادها أن اثنتين من بين كل ثلاث نساء صحافيات تعرضن للمضايقة أو التحرش أو عدم المساواة في العمل بطريقة أو أخرى.

هي ظاهرة عالمية بامتياز ومن الملفت للنظر، بحسب تقارير موثّقة، أن أغلب الصحافيات اللائي تعرضن لذلك قد أحجمن عن الإفصاح عما جرى لهن وبقيت قصصهن مع التحرش طي الكتمان.

وبالعودة إلى ما روته الصحافية شاهين باشا تذكر مثلا أنها في الكثير من المواقف كانت تقارن بين القصص الصحافية الناجحة التي كانت تنجزها في مقابل ما كان ينجزه زملاؤها، لكنها خلال ذلك وجدت أن المسألة الجندرية كانت تتقدم والنظر لكونها أنثى يسبق عنوانها ومنجزها الصحافي مهما كان متميزا.

هذه الشهادة تجد فيها قاسما مشتركا مع شهادات لصحافيات كثيرات مررن بنفس تلك التجارب وشعرن بالتمييز والنظر لهن بصفتهن من الجنس النسوي قبل النظر إلى قدراتهن ومهاراتهن، وتاليا تطور الأمر إلى التحرش بأشكاله سواء اللفظي أو الجسدي أو التمييز الجندري وما إلى ذلك.

كرة الثلج المتعلقة بالتمييز والتحرش بحق المرأة الصحافية قابلة للتضخم وهناك الكثير من المسكوت عنه من القصص من هذا النوع لأسباب شتى، لكن الظاهرة أصبحت تضرب عمق مؤسسات صحافية عريقة ومؤسسات سياسية وسلوكيّات ساسة ورجال دولة ورجال أعمال وشخصيات لامعة كانت المرأة الصحافية من ضحاياهم.

كاتب عراقي

18