يناير 09, 2018

ماكرون يتقرب من الصين سعيا لتقليص نفوذها في أوروبا

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الصين، في أول زيارة له، أملا في إعادة تدشين العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين، التي غالبا ما يشوبها التوتر بسبب القيود التي تفرضها بكين على الاستثمار الأجنبي والمبادلات التجارية.
دبلوماسية الباندا

بكين - تسعى فرنسا، منذ صعود ماكرون للحكم، إلى إعادة التوازن للعلاقات التجارية مع الصين والتخلّص من نقاط الاحتكاك بين باريس وبكين لا سيما العجز التجاري الفرنسي البالغ 30 مليار يورو تجاه الصين.

ووضع الرئيس الفرنسي، زيارته الأولى إلى الصين ضمن إطار طرق الحرير الجديدة، المشروع الذي أطلقه الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2013، إلا أنه حذّر من مخاطر “هيمنة جديدة”.

ويعتبر مشروع طريق الحرير الجديدة مبادرة ضخمة تتضمن استثمارات بقيمة ألف مليار دولار، تقضي بإقامة طرق ومرافئ وسكك حديد ومجمعات صناعية عبر الصين وأوروبا وآسيا.

ويهدف المشروع، الذي كشفت الصين النقاب عنه في عام 2013، إلى ربط الصين عن طريق البر والبحر بجنوب شرق آسيا وباكستان وآسيا الوسطى وبعد ذلك إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.

وقال ماكرون “أتمنى أن تكون فرنسا وأوروبا حاضرتين في الموعد الذي حددته الصين”، ما يتباين مع الحذر الذي لزمته فرنسا، حتى الآن حيال، مشروع يعتبر قسم من الأوروبيين أنه ينمّ عن نزعة توسعية خطيرة من جانب القوة الاقتصادية الثانية في العالم.

وذهب الرئيس الفرنسي إلى حد التأكيد على استعداد باريس للعب “دور محرك” في المحادثات الأوروبية الصينية بهذا الشأن، محذّرا من أن “هذه الطرق مشتركة ولا يمكن أن تكون ذات اتجاه واحد”. وأبدى تحفظا واحدا، غالبا ما يعبّر عنه الأوروبيون، حرصا منهم على تفادي أن تقتصر المشاريع على تدفق فائض إنتاجي صيني، داعيا إلى العمل “في إطار شراكة متوازنة تكون قواعد التمويل فيها منسجمة مع معاييرنا ومع ما نسعى إليه معا”.

وفي إطار دفاعه عن التعددية، دافع ماكرون عن التحالف بين أوروبا والصين، مؤكدا أن “المستقبل يحتاج إلى فرنسا وأوروبا والصين، نحن ذاكرة العالم ويعود لنا أن نقرّر أن نكون مستقبله”.

إيمانويل ماكرون: المستقبل يحتاج إلى فرنسا وأوروبا والصين، ويعود لنا أن نقرر أن نكون مستقبله

ويرى محللون أن الدبلوماسية الفرنسية تدفع في اتجاه زيادة سيطرة الاتحاد الأوروبي على الاستثمارات الأجنبية ولا سيما الصينية في القطاعات الاستراتيجية.

وعرض ماكرون على نظيره الصيني “إعادة إطلاق معركة المناخ”، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب بلاده من اتفاق باريس حول الاحتباس الحراري.

وشدّد على أنه لولا قرار الصين الالتزام به، فإن “اتفاق باريس لما كان استمر” بعد الخطوة الأميركية، لافتا، في المقابل إلى أن الصين تبقى الدولة الأولى من حيث انبعاث الغازات المسببة في ارتفاع حرارة الأرض.

ورأى الرئيس الفرنسي أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس حول المناخ يستوجب قيادة فرنسية صينية في هذا المجال، معلنا عن “سنة فرنسية صينية للانتقال البيئي” لفترة 2018-2019.

وقال “الصين وفت بوعدها، أثبتم حقيقة وعيكم وحسكم الهائل بالمسؤولية، من كان ليتصوّر قبل بضع سنوات أن الصين ستظهر قوة تجعلها في طليعة العالم” في هذا المجال.

وتابع قوله “إن فرنسا تمر بتحوّل عميق، ومعها تميل أوروبا لبناء تعاون متوازن مع الصين” داعيا إلى تحديد “القطاعات التي يمكننا فيها التعاون وفتح أسواقنا من الجانبين، وتلك التي لا نريد ذلك فيها”.

وأكد قصر الإليزيه، أنه سيتم التطرّق في الأحاديث الخاصة بين الرئيسين، إلى مسألة حقوق الإنسان، حيث دعت منظمة هيومن رايتس ووتش ماكرون في بيان إلى مطالبة شي جين بينغ “علنا” بتحسين الوضع في هذا المجال.

وتعهد الرئيس الفرنسي، بزيارة الصين مرة واحدة على الأقل كل عام أثناء توليه السلطة، مشيرا أن المشاريع الصينية الجديدة “في مجالي الثقافة والبنية التحتية يمكن أن تكون في مصلحة فرنسا وأوروبا أيضا إذا نفّذت بروح التعاون”.

وقال الرئيس الصيني إن “الصين وفرنسا بلدان عظيمان لهما تاريخ مجيد”، مشيدا بأن ماكرون اختيار الصين في أول رحلة له إلى آسيا. وتابع شي “نشاطركم الرغبة في ان نكون قائدين يتحملان المسؤولية ونختار مواصلة تعزيز العلاقة بين بلدينا”. وجاء في دراسة حول الخلافات بين الصين ودول الاتحاد الأوروبي، أن أصواتا من ألمانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبيّ ترى أن الأنشطة الصينيّة في منطقة أوروبا الوسطى والشرقية مثلما تؤثر على وحدة الاتحاد الأوروبي، فهي تمارس تأثيرا سلبيا على أعضاء الاتحاد والخيارات الاستراتيجية للأعضاء المحتملين.

وعلى الرغم من أن هذه الأصوات تشير إلى أن دور أوروبا الغربية في أوروبا الوسطى والشرقية آخذ في الانخفاض وأن دور الصين آخذ في الازدياد، فإن الواقع هو أن الوجود الاقتصادي الصيني في المنطقة ضئيل من وجهة نظر كل من الاستثمار الأجنبي المباشر وصادرات أوروبا الوسطى والشرقية.

حتى في البلدان التي يُنظر إليها على أنها تعاني من موجة كبيرة من الاستثمارات الصينية، مثل جمهورية التشيك، فإنّ الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني يقلّ عن استثمارات مستثمرين آخرين، وهو أقل بكثير من التصريحات الرسمية.

وأشارت الدراسة أن تقديم دول أوروبا الشرقية للتضحيات من أجل تطوير العلاقات مع الصين سيضعها في علاقات أسوأ بكثير مع شركائها الرئيسين في أوروبا الغربية، مع القليل من المنافع الجوهرية القادمة من الصين.

5