العراق يتعثر في أولى خطوات الخروج من حرب داعش

الثلاثاء 2018/01/09
جيل إن لم تستوعبه برامج التنمية تتلقفه متاهة التشدد والإرهاب

الموصل (العراق) - يصطدم العراق في أولى خطواته للخروج من الحرب على تنظيم داعش، التي كلّفته خسائر بشرية ومادية كبيرة، بعوائق كثيرة تضعف الآمال بدخول البلد في مرحلة جديدة من الاستقرار لطالما بشّرت بها قيادته السياسية.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي معضلة إعمار المناطق المدمّرة وإعادة النازحين إلى ديارهم بالسرعة المطلوبة، وهما مهمّتان أساسيّتان لتثبيت الإنجاز العسكري والأمني المتحقّق بالانتصار على تنظيم داعش، والانطلاق في مرحلة سياسية جديدة بتنظيم الانتخابات التشريعية المقرّرة لشهر مايو القادم والتي لا يبدو من الواقعي خوضها مع وجود كتلة كبيرة من الناخبين في مخيمات النزوح بعيدا عن مدنهم وقراهم التي يوجد أغلبها بمناطق شمال البلاد وغربها.

وكشف برلماني عراقي، الإثنين، عن حدوث نزوح عكسي من مدينة الموصل وباقي مدن محافظة نينوى بسبب انهيار الواقع الخدمي في المدينة، فيما كان من المنتظر عودة من نَزَح من تلك المدن بسبب الحرب.

وقال النائب زاهد الخاتوني إنّ “نحو 500 عائلة غادرت مناطقها في المحافظة إلى مخيمات النزوح بنينوى والمناطق الأخرى خلال الأسابيع الماضية بسبب عدم وجود الماء والكهرباء والطرق والمراكز الصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات اللازمة لديمومة الحياة”.

وأضاف متحدّثا لوكالة لأناضول أن “استمرار النزوح من مدينة الموصل وباقي مناطق محافظة نينوى ينذر بوقوع خطر على الحياة في أهم المدن العراقية وقد يهدد بعدم عودة الحياة إليها بسهولة”.

ولفت الخاتوني إلى أن “الفساد المستشري في المنظومة الحكومية وراء عدم إطلاق المشاريع الضرورية التي تسهم في تشجيع السكان على الاستقرار”، مشيرا إلى أن “الفساد تسبب بازدياد معاناة النازحين في المخيمات التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة الكريمة”.

وتابع أنّ “النزوح سوف يزداد في قادم الأيام ما لم تتحرك الجهات المعنية لإعادة المرافق الحيوية من جسور وطرقات ومشاريع ماء وكهرباء وتعليم وصحة إلى الخدمة”.

‎ورغم الإعلان عن استعادة مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، بشكل كامل من سيطرة تنظيم داعش صيف العام الماضي بعد حرب مدمّرة أتت على أحياء بأكملها، وسقط فيها ما يقارب الـ11 قتيلا من المدنيين، إلاّ أنّ الحياة بالمدينة لم تعد إلى طبيعتها بشكل كامل وخاصة بالجانب الغربي وهو الأكثر تضرّرا من الحرب.

الإعمار وإعادة النازحين والتخفيف من حدة الفقر مهمات أساسية لتثبيت المنجز العسكري المتحقق في الحرب ضد داعش

وليست الموصل سوى مثال على تعثّر إعادة الإعمار وإعادة النازحين، حيث أنّ سكان مناطق في الأنبار وصلاح الدين وديالى، لا يزالون في الشتات ينتظرون العودة إلى ديارهم.

ولا تقتصر عوامل تعطيل عودة النازحين على الجوانب المادية والعوائق الأمنية فحسب، بل توجد عوامل طائفية، على غرار ما يحدث لسكان منطقة جرف الصّخر جنوبي العاصمة بغداد حيث تسيطر ميليشيات شيعية على المنطقة الواقعة في الطريق إلى محافظات جنوب العراق التي توجد بها أهمّ مقدّسات الشيعة، وترفض تلك الميليشيات السماح للسكان بالعودة إلى ديارهم بذريعة تأمين القضاء ذي الموقع المهم لأمن بغداد ومحافظات الجنوب.

وتقدّر منظمة الهجرة الدولية عدد النازحين العراقيين الذين لم يتمكّنوا إلى الآن من العودة إلى ديارهم، بأكثر من مليوني نازح.

وفي ظلّ أوضاع اقتصادية ومالية صعبة، زادتها تعقيدا ظاهرة الفساد المستشري في مفاصل الدولة، يواجه العراق مصاعب في إعادة إعمار المناطق المدمّرة من الحرب.

وقدّر أمين عام مجلس الوزراء العراقي مهدي العلاق كلفة إعادة الإعمار بـ100 مليار دولار، وهو مبلغ كبير قياسا بموارد الدولة وكثرة أبواب صرفها.

وتُعلّق حكومة بغداد آمالا على المانحين الدوليين الذين سيجمعهم مؤتمر حول إعادة إعمار العراق ينتظم في الكويت في شهر فبراير القادم. ويحذّر خبراء المال والاقتصاد من أن تكون السمعة السيئة للعراق كأحد أكثر بلدان العالم فسادا، سببا في قلّة عدد المانحين وفي ضحالة المبالغ الممنوحة.

وأثار رئيس الوزراء حيدر العبادي المصاعب التي تواجه عملية إعادة الإعمار قائلا في احتفالية بالنصر على داعش أقيمت في مدينة النجف جنوبي البلاد “علينا أن نستفيد من الدرس القاسي ونبدأ بالإعمار والبناء”، مستدركا “البعض يطالب بتوفير الخدمات فورا إلا أننا لن نتمكن من تقديمها بوجود الفاسدين”.

وبتظافر الأوضاع الأمنية المعقّدة والفساد وسوء التسيير والتوقّف شبه الكامل لمشاريع التنمية، سجّل مستوى العيش في العراق تراجعا كبيرا وارتفعت معدّلات الفقر.

وكشف وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي، محمد شياع السوداني، أن أكثر من مليون عائلة فقيرة تقدمت بطلبات جديدة للحصول على المعونات الحكومية، مشيرا إلى أن 328 ألفا يحصلون على تلك المعونات بينما 700 ألف عائلة أخرى بانتظار التخصيصات المالية.

وبحسب بيان للوزير، فإن الدولة “ترعى أكثر من أربعة ملايين فقير وتوفر لهم الحد الأدنى من العيش”.

وأضاف السوداني أن “معالجة الفقر تتطلب جهدا وطنيا حثيثا، فضلا عن وضع خطط جادة لمكافحة الفساد وتأسيس إدارة ناجحة”.

ويعتبر خبراء الشؤون الأمنية أنّ معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحدّ من الفقر وتقليص عدد العاطلين عن العمل، ليس عملا ثانويا بل هو في صميم استكمال الجهد الأمني وتحصين النتائج المتحقّقة من الحرب المرهقة ضدّ تنظيم داعش من الانتكاس بمنع تشكّل حواضن للتشدّد والإرهاب في صفوف الفقراء والمهمّشين واليائسين.

3