القارة السمراء من خلال الروائيين

الأربعاء 2018/01/10

في الستينات من القرن الماضي، توقع البعض من المختصين الغربيين مستقبلا مشرقا للقارة السمراء بعد خلاصها من الهيمنة الاستعمارية. بل إنهم ذهبوا إلى حد القول إنها -أي القارة السمراء- ستكون “مستقبل العالم”.

إلاّ أن مثل تلك التوقعات المتفائلة سرعان ما تبخرت. فالأنظمة التي صعدت إلى السلطة بعد حصول البلدان الأفريقية على استقلالها الوطني، كانت جلها فاسدة ومستبدة، حكمت شعوبها بالحديد والنار، وسلطت عليها أفظع المظالم، وأسكتت الأصوات الحرة، سواء بالاغتيال أو بالسجن، أو بإجبار أصحابها على الفرار إلى المنافي.

كما تعددت الانقلابات العسكرية لتبيح لعسركيين أشباه جهلة تسلم السلطة ليعمّقوا أوجاع وآلام شعوبهم. أما الانتفاضات الشعبية التي أطاحت بأنظمة فاسدة ودكتاتورية فقد أفضت في النهاية إلى كوارث اقتصادية وسياسية إذ تسلم بموجبها السلطة حكام أشد فسادا وتسلطا من سابقيهم.

على مدى عقود مديدة عانت جنوب أفريقيا والبلدان المجاورة لها من مظالم التمييز العنصري، إذ تعامل المستعمرون البيض مع السكان الأصليين كما لو أنهم عبيد. وفي بلدان أخرى مثل رواندا والكونغو، اندلعت حروب أهلية وعرقية وإثنية مزقت أوصال الوحدة الوطنية، وفتحت جراحا عميقة لا تزال مفتوحة إلى حد هذه الساعة، وربما ستظل مفتوحة إلى أمد طويل.

إضافة إلى ذلك تصاعد التطرف الأصولي، فباتت بلدان مثل نيجيريا ومالي تعيش على وقع النعرات الدينية والمذهبية التي تهدّد أمنها واستقرارها.

وعلى مدى العقود الخمسة الماضية صدرت العديد من الدراسات الهامة حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في بلدان القارة السمراء. إلاّ أن الأعمال الروائية كانت ولا تزال أفضل مرآة تعكس مثل هذه الأوضاع.

في جنوب أفريقيا قام كتاب من أمثال برايتن برايتنباخ، وج.م. كوتزي، ونادين غورديمير الحائزَيْن على جائزة نوبل للآداب، وآخرين، بفضح مظالم وجرائم التمييز العنصري. وفي نيجيريا برز كتاب كبار أمثال شينوا أشيبي، وبن أوكري الفائز بجائزة البوكر بفضل روايته البديعة “طريق الجوع”، وويل سيونكا الحائز على جائزة نوبل للآداب، بفضح فساد أنظمة الحكم، وتسليط الضوء على المؤامرات التي تدبرها القوى العظمى لكي يزداد الليل الأفريقي سوادا وطولا.

وعكست روايات كتاب وكاتبات من رواندا، والكونغو، والكاميرون، والسنغال، والكاميرون، والموزامبيق، وغيرها ما تعانيه الشعوب الأفريقية من ظلم، ومن فقر، وما تعيشه من مجاعات، وحروب، ومجازر عرقية وإثنية. لذلك يمكن القول إن الروايات كانت وستظل من أفضل الوثائق ومن أكثرها دقة وصوابا للتعرف على الوجه القديم، والوجه الجديد للقارة السمراء.

كاتب تونسي

14