تنفّسْ تنفّس

الأربعاء 2018/01/10

كان يضع سماعته الباردة على ظهري فيقشعر بدني.. وأسمع عبارته وهو يقول: تنفّسي بعمق.. كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أحدا يأمرني بأن أتنفّس.. فنحن نتنفس دون أن نعي ودون أن ندري كيف.. ويومئذ لمّا أكن قد تجاوزت ربيعي الرابع.. كنت أتمسك بكل قوتي بأصابع أمي وحاجباي مرفوعان ونظراتي تستنجد بها بأن تشرح لي ما يعنيه “عمو الدكتور”!

بقيت حتى ما زاد على سنوات طوال من تلك الحادثة لا أفهم معنى أن يكون معظمنا عاجزين عن معرفة الطرق الصحيحة للتنفس.. ربما لأن أحدا لم يرشدنا إلى ذلك منذ أول طفولتنا.. أو لأننا لم ندرس ذلك في مناهج الدراسة المقررة.. ولم أكن أعلم أن ثمة طرقا صحيحة وخاطئة في التنفس على الرغم من أنني كنت في تمارين السباحة أسمع المدربين وهم يطلبون منا أن نحبس أنفاسنا حين نكون في الماء وأن نتنفس إذ نخرج رؤوسنا منه.. ولم أدرك في تلك السن الصغيرة أن من يُتقن هذه الطريقة يصبح سباحا ماهرا وينجح في المسابقات.. وإذ لم أكن مهتمة كثيرا بتلك المسابقات.. فقد تعلّمت ما يكفيني وما يفيدني ربما بتلقائية وبتمرين ذاتي.. وهو ما جعلني أسبح في المسابح وفي دجلة وفي البحيرة.. ولاحقا في البحر.. مثل أي سمكة حرة!.. دون أن أعرف كيف وما هو معنى تمارين التنفس.. ودون أن أهتم في خوض المسابقات.

ويمرّ العمر.. وأقرأ للمرة الأولى عنوانا مثيرا على كتيب صغير “تمارين التنفس والاسترخاء”.. فيرتبط الأمر عندي بتمارين اليوغا.. وأغض عنه طرفي كونه علم لا أعرفه ولا يعنيني.. بيد أنني ما إن وجدت الشباك مفتوحا أمامي ذات صدفة أو ذات قدر.. حتى وجدت نفسي أغوص في أعماقه وكأنني أنهل من نهرين من علم وسحر معا.. وصار شغفي الأكبر وجل اهتمامي هو سبر أغوار هذا العالم المثير.

وكانت أول الدروس هي هذه العبارات: “الأوكسجين طاقة كونية!”.. وأيضا: “الأوكسجين هو الحياة وكلما منحنا أجسادنا وأعضاءنا المزيد من الأوكسجين كلما منحنا أنفسنا حياة أفضل وأعمارا أكثر راحة وأجسادا أوفر صحة وعقولا أكثر نجاحا واسترخاء”.

ويحدّثنا الأطباء أنه بتقدم السكن (أي بعد بلوغ الخامسة والثلاثين عموما) تصبح أجسامنا وخلايانا اضعف.. ويصبح الحجاب الحاجز أقل مرونة وأقل استجابة لإيعازات الدماغ.. ومعه يصبح التنفس أقل كفاءة.. ولذا ينصح الأطباء بالتدريب على الطرق الصحيحة للتنفس لتصل أكبر كمية ممكنة من الأوكسجين إلى كل خلية من خلايا الجسم.. فتمنحها العافية والقوة والقدرة على الصمود والتحمّل.. فتكون أكثر مقاومة للأمراض وأقل عرضة للصدمات النفسية والبدنية. وقد أثبتت التجارب المختبرية الحديثة أن التركيز على تمارين التنفس بشكل منتظم ومحسوب قد ساعدت في العلاج الناجع لكثير من الأمراض العضوية ومن أهمها مرض العصر القاتل: موت الخلايا أو الأورام السرطانية.. وسواها الكثير.

والأمر لا يتطلب أكثر من بضع دقائق في اليوم.. صباحا أو قبل الخلود إلى النوم ليلا.. فنجعل التمارين التنفسية جزءا من روتين حياتنا اليومي.. من أجل حياة أفضل.

صباحكم أوكسجين نقي!

شاعرة عراقية

21