يناير 10, 2018

التوتر في منطقة البحر الأحمر ينذر بعمل عسكري وشيك

تشكل منطقة القرن الأفريقي عمقا استراتيجيا بالنسبة إلى مصر لعدة اعتبارات لعل من بينها أن معظم دوله مطلة على البحر الأحمر وباب المندب، كما أن دولا كأثيوبيا تشكل منبعا لنهر النيل الذي يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى المصريين، وسجلت مؤخرا توترات كبيرة في هذه المنطقة في ظل دخول أطراف إقليمية تسعى لاستهداف مصر على خط التوترات المزمنة هناك وقد يأخذ مسار الأمور منعرجا خطيرا في قادم الأسابيع.
تحالف الضرورة

القاهرة – تلوح في أفق منطقة القرن الأفريقي ملامح أزمة مكتملة، وتشي التطورات المتسارعة بأن أمرا عسكريا بات وشيكا، في ظل غلق السودان حدوده مع إريتريا وتوجيه معدات عسكرية وقوات إلى هناك، سبقه دخول أطراف مثل تركيا على خط الخلافات والتوترات التقليدية.

وتضاعف الحديث عن تصعيد كبير في المنطقة في اليومين الأخيرين، فبعد زيارة رئيس أركان الجيش السوداني إلى أثيوبيا ولقائه الاثنين برئيس الوزراء الأثيوبي هايلي ماريام ديسالين، وصل الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي إلى القاهرة، الثلاثاء.

ووفق الرئاسة المصرية بحث الرئيس عبدالفتاح السيسي مع أفورقي العلاقات المشتركة، وسبل تعزيز التعاون، في ضوء أهمية منطقة القرن الأفريقي ودور إريتريا وما لذلك من انعكاسات على أمن البحر الأحمر ومنطقة باب المندب.

وأكد السيسي اهتمام بلاده بترسيخ التعاون الاستراتيجي مع إريتريا في شتى المجالات، لافتاً إلى أهمية زيادة التنسيق والتشاور بين الجانبين إزاء الأوضاع والقضايا المتعلقة بالمنطقة.

وتطلع أفورقي إلى تكثيف التعاون الثنائي مع مصر والحرص على التشاور والتنسيق حول مختلف القضايا والتطورات الإقليمية والعمل على مواجهة التحديات القائمة.

ودرج أفورقي على تكرار زيارته لمصر والاحتفاء بها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لكن هذه الزيارة لها خصوصية كبيرة، لأنها تأتي وسط أجواء إقليمية ساخنة، ومرجح أن تكون إريتريا طرفا أساسيا في الاستقطاب الحاد بين مصر والسودان، وحلفاء كل منهما.

وقال عطية عيسوي، المتخصص في الشؤون الأفريقية، إن الهدف من زيارة أفورقي تطوير التعاون فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر. وأضاف لـ”العرب” “ربما تكون هناك صحة كبيرة لما يتردد حيال التعاون الأمني بين مصر وإريتريا لتأمين البحر الأحمر باعتباره جزءا من الأمن القومي العربي والمصري”.

وتشير الملامح الراهنة إلى أن العداوة التاريخية بين أثيوبيا وإريتريا، سوف تنعكس تجلياتها في الخلاف المتداخل بين تركيا وقطر والسودان من جهة ومصر من جهة ثانية.

ولدى أديس أبابا قناعة كبيرة، أن النظام الإريتري لا يزال أحد أسباب التوتر الحاصل في المنطقة، ويجب تحميله مسؤولية أي تحركات تقوم بها المعارضة السودانية أو الأثيوبية.

وتحمل زيارة أفورقي رسالة مصرية إلى السودان، مفادها أنه إذا سمح بالإضرار بمصالح مصر سوف يواجه عواقب وخيمة، وأخرى إلى إثيوبيا، تفيد بأنها إذا واصلت تعنتها وتجاهلت حقوق مصر في مياه النيل ستكون الرسالة المزيد من التعاون مع عدوها اللدود، وثالثة لتركيا مفادها أن تحركاتها في منطقة البحر الأحمر يمكن مواجهتها بأكثر من طريقة.

عطية عيسوي: المعطيات عن تعاون بين مصر وإريتريا لتأمين البحر الأحمر قد تكون صحيحة

وتملك إريتريا شبكة جيدة من التعاون العسكري مع دول كثيرة، وقد فتحت أراضيها لتدشين قواعد تابعة لدول عدة، ومن شأن ذلك أن يجنبها أي احتكاكات تفكر فيها أثيوبيا.

وقام عماد الدين مصطفى عدوي رئيس أركان الجيش السوداني بزيارة مفاجئة، الاثنين، لأديس أبابا، استقبله خلالها رئيس وزراء أثيوبيا هايلي ماريام ديسالين، وأطلعه على المباحثات العسكرية التي جرت بين الخرطوم وكل من الدوحة وأنقرة.

وكانت الخرطوم استضافت الأسبوع الماضي لقاء ثلاثيا جمع رؤساء أركان كل من تركيا وقطر والسودان، سبقه زيارة لأديس أبابا قام بها رئيس أركان الجيش القطري، الفريق الركن طيار غانم بن شاهين الغانم.

ومنحت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للسودان منذ أسبوعين، إشارة البدء كي يُفصح كل جانب عن إجراءاته الاحترازية تحسبا لحدوث صدامات مسلحة في المنطقة.

وتتذرع الخرطوم بإعلانها حالة الاستنفار على الحدود مع إريتريا، بأن المعارضة السودانية تستعد لشن هجوم جديد انطلاقا من الأراضي الإريترية، مدعومة من مصر، مستغلة زيارة قام بها وفد عسكري مصري لإريتريا مؤخرا. ونفت القاهرة اتهامها بدعم المعارضة، لكن تعمدت الإفصاح عن مشروعات تنموية في منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها مع السودان، وتدشين موانئ بحرية على البحر الأحمر بالقرب من الحدود السودانية، فضلا عن أسطول كبير من البارجات والطائرات والصواريخ جرى تدشينه مؤخرا.

وجدّد السودان، الإثنين، شكواه في مجلس الأمن الدولي، بشأن مثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر، وكانت الخرطوم اعترضت على اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي وضعت حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية، دون إشارة إلى السودان.

وأشارت بعض المصادر لـ”العرب”، إلى أن مصر بدأت تتخلى عن هدوئها مع السودان، لأن الأخير بمثابة رأس حربة لترتيبات إقليمية تشارك فيها كل من تركيا وقطر وأثيوبيا، وربما إيران، وتريد القاهرة التأكيد أن لديها وسائل عديدة للردع، والهجوم أيضا، إذا كانت هناك ضرورة لذلك.

والتقى الثلاثاء، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) الإيراني ورئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران، الأمر الذي ربطه البعض بأجواء التصعيد في المنطقة، وأن هناك رغبة مصرية في تحييد طهران قدر الإمكان.

وبالتوازي مع هذه الخطوات الدبلوماسية أعادت مصر نشر وتمركز عناصر من النخبة التابعة للقوات المسلحة على الحدود الجنوبية مع السودان، خوفا من تسلل عناصر تخريبية تابعة لجماعة الإخوان وتنظيم داعش إلى الأراضي المصرية، والقيام بأعمال عنف ضد أهداف حيوية ومدنيين.

وقامت القاهرة بإعادة تأهيل مطار شرق العوينات واستبدلت طرازات الطائرات بمطار أسوان العسكري لتشديد عمليات مراقبة الحدود الشاسعة مع السودان.

وقالت مصادر أمنية لـ”العرب”، إن مصر تتوقع المزيد من الأعمال الإرهابية في العمق لإرباكها، ففي الوقت الذي يتم فيه التركيز على شغل القاهرة بما يدور في الفضاء الإقليمي المجاور لها، غير مستبعد تكليف عناصر إرهابية بعمليات جديدة، تنشغل بها مصر.وأكدت بعض المصادر لـ”العرب”، أن القاهرة تتبع سياسة جديدة تسمى حلف المحيط، من خلال توسيع نطاق الشراكات والتحالفات مع دول الجوار الجغرافي لكل من السودان وأثيوبيا، للضغط عليهما ومنعهما من التمادي في التصرفات العدائية.

وأضافت المصادر أن توطيد العلاقات مع إريتريا يعكس هذا التوجه، كما أن التطور الذي شهدته علاقات القاهرة مع كل من أوغندا وجنوب السودان وتنزانيا وتشاد، أحد أهم هذه التجليات الإقليمية.

وكشفت أن مصر لم تتخل تماما عن سياسة الصبر الاستراتيجي مع السودان، ولا تريد أن تمنحه فرصة للتنصل من التزاماته الكاملة، والركون إلى الحلف الجديد لها، والذي يريد التحكم في مفاتيح رئيسية في البحر الأحمر، تؤثر مستقبلا على مصالح تحالف مصر والسعودية والإمارات والبحرين. وبرأي البعض سوف تشهد الفترة المقبلة تغيرات في التوازنات الإقليمية، في ظل كثافة الوجود العسكري لدول عدة، اتخذ شكل قواعد أحيانا، ومتوقع أن يكون السودان مظلة محورية تجمع التكتل المناهض لمصر وحلفائها.

2