"بيت العائلة" يبدأ بإصلاح المفاهيم ونشر ثقافة المحبة والتعايش في مصر

في ظل تصاعد وتيرة الإرهاب والتطرف الفكري بشكل غير مسبوق في البلدان العربية، ألقى الكثيرون العبء على رجال الدين الذين تخلوا عن دورهم في تجديد الخطاب الديني والرد على أفكار المتطرفين. ويرى مهتمون بالشأن الديني أن السماح بحرية الاعتقاد دون تدخل أو توجيه هو أول الطرق وأسلمها لزرع مجتمع مسالم ومتسامح، وعلى “بيت العائلة المصرية” توسيع نطاق الاهتمام بنشر ثقافة المحبة والتعايش.
الخميس 2018/01/11
مسؤولية مشتركة

القاهرة - خلص المؤتمر الأول الذي نظمته مؤسسة “بيت العائلة المصرية”، الثلاثاء الماضي، إلى أن اقتلاع جذور الإرهاب لن يتحقق إلا بتوحد الجهود لنشر ثقافة التعايش والتسامح وإيقاف خطاب الكراهية والعنف في المجتمع، وإقصاء أصحاب الآراء المتطرفة عن الوصول إلى صدارة المشهد بما يمكن معه العبث في عقول الأجيال المستقبلية.

تزامن عقد المؤتمر تحت عنوان “معا ضدّ الإرهاب”، مع تصاعد خطاب الكراهية من جانب العناصر الإرهابية ضد الأقباط في مصر، وافتعال المتشددين أزمات وفتن للوقيعة بين المسلمين والمسيحيين.

جاءت مشاركة قيادات كنسية وأزهرية ومتخصصين في الشؤون الدينية والأمنية والفكرية والتعليمية والثقافية في المؤتمر، لتكون رسالة توحي بوجود اتّحاد مجتمعي على نبذ التطرف والفكر المتشدد الذي يغذي الاحتقان ويدفع إلى المزيد من الانقسام بين أبناء البلد الواحد.

وتعد مؤسسة “بيت العائلة المصرية” هيئة وطنية مستقلة تعمل على نشر ثقافة التعايش السلمي والمحبة في المجتمع، وقد تمّ إنشاؤها بمبادرة أزهرية- كنسية، عقب تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية مطلع عام 2011، وقبل أيام قليلة من اندلاع ثورة 25 يناير، وقد عكفت هذه المؤسسة طوال السنوات الماضية على التدخل لمعالجة أحداث الاحتقان الطائفي بشكل سلمي.

جاء توقيت عقد المؤتمر في خضم احتفال الأقباط بأعيادهم، كرسالة للمتشددين بأن هناك تعايشا سلميا بين أفراد المجتمع في مصر، بغض النظر عن الحوادث الإرهابية، وعُقد في توقيت بالغ الحساسية، حيث تصاعد العنف ضدّ الأقباط في مصر من جانب تنظيمات إرهابية تعمل على ضرب الوحدة الوطنية لإثارة النعرات الطائفية بالمجتمع. كان آخر هذه المحاولات استهداف كنيسة مارمينا بحي حلوان جنوب القاهرة منذ أسبوعين، وراح ضحية الحادث 9 مواطنين.

أزمة المؤسسات الدينية في مصر أنها تسوق لخطاب يدعو إلى التسامح دون اتخاذ خطوات على الأرض لتفعيل ذلك

حدد محمود زقزوق وزير الأوقاف الأسبق والأمين العام لـ“بيت العائلة المصرية” إشكالية التصدي للإرهاب والتطرف قائلا “لا يوجد تعريف واضح وشامل للإرهاب تتوافق عليه كل المؤسسات الدينية وغير الدينية”، لافتا إلى أن الوصول إلى توصيف محدد للإرهاب والتطرف والكراهية من شأنه “تسهيل مهمة التصدي له لتعزيز التسامح بالمجتمع”.

وأكد متابعون للمؤتمر، أن الإشكالية التي تواجه المؤسسات الدينية في مصر، إسلامية ومسيحية، تكمن في غياب رؤية: من أين نبدأ نشر التسامح ونبذ التطرف والتشدد؟ هل من الخطاب الإعلامي أم التعليمي أم إصلاح الخطاب الديني أولا، وهو ما يتسبب في تشتت الأولويات وبقاء الحال كما هو عليه؟

ذهب الأنبا أرميا، الأسقف العام للكنيسة، ونائب رئيس المؤتمر، في كلمته التي ألقاها نيابة عن تواضروس الثاني، بابا كنيسة الإسكندرية والكرازة المرقسية، إلى أن البداية المثالية لمكافحة التطرف والتشدد الديني، تبدأ من ترسيخ ثقافة حرية اعتناق الأديان حتى تكون مكفولة للجميع لأنها بين الله وعباده، مع حتمية أن تتوقف بعض التنظيمات عن تنصيب نفسها بأنها الحامي لدين بعينه.

وتصطدم رغبة الكنيسة بالدعوة إلى حرية الاعتقاد، أحيانا بتحرك معاكس من جانب قيادات أزهرية، بدعم مشروع قانون برلماني يرمي إلى حبس الملحدين باعتبارهم فئة ضالة، دون الدخول في حوار مجتمعي حول هذه القضية والبحث عن علاج لها بعيدا عن التحريض غير المباشر ضد المؤمنين بالإلحاد.

أوضح البعض من المراقبين، أنه لا يمكن زرع ثقافة حرية الاعتقاد لتكون المسار الأمثل لمجتمع مسالم ومتسامح، في ظل استمرار ترك الساحة أمام الجماعة السلفية وبعض الدعاة والمفتين الذين دأبوا على اقتصار التسامح على الدين الإسلامي وتقديم الآخر على أنه مواطن من درجة ثانية لا يستحق العيش في سلام.

وخلصت كلمة محيي الدين عفيفي، أمين مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، إلى أنه يتعين التركيز على عدم وجود نص في أي دين من الأديان يجيز ترويع الآمنين حتى يجيز قتلهم، كما تدّعى جماعات التطرف والإرهاب، فالأديان لا علاقة لها بهذه الادّعاءات، بل إنها لا تدعو إلا إلى التسامح والرحمة واحترام خصوصيات الناس والحفاظ على دمائهم وأموالهم.

فرض سياسة التسامح والمحبة يتطلب شجاعة استثنائية من المؤسسات الدينية في البلاد بالاعتراف بالخطأ

وقال علي جمعة مفتي مصر السابق، إن الحرب ضد المتطرفين يجب أن تكون شاملة، ليس فقط من الناحية الأمنية والفكرية، بل من فقه حب الحياة، فالأديان جاءت لتعليم الإنسان حب الحياة، والدين جاء لسعادة الدارين، لذلك يجب علينا أن نقضي على من قدّموا التكفير على التفكير والتدمير على التعمير.

عاب المتابعون للمؤتمر على أنه لم يتطرق إلى الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انتشار التطرف الفكري والتشدد الديني في المجتمع والبحث عن أدوات لاقتلاع الأفكار والمسببات التي أدّت إلى نتائج عكسية خطيرة على السلام المجتمعي في مصر، وكيفية مواجهة الآراء المتطرفة التي تأخذ صبغة شرعية باستخدام آيات قرآنية وأحاديث نبوية قد يساء تفسيرها.

وقال أحمد عامر، الباحث في شؤون التسامح الديني، لـ”العرب”، إن أزمة المؤسسات الدينية في مصر أنها تسوّق لخطاب يدعو إلى التسامح والمحبة دون اتخاذ خطوات على الأرض لتفعيل ذلك، مثل تضمين ذلك في المناهج الإسلامية والمسيحية واختيار معتدلين من رجال الدين لترويج فكرة قبول الآخر واحترام عقائدهم.

وأشار إلى أن اقتصار الأمر على تحسين نظرة كل فئة دينية إلى الطرف الآخر عبر عقد مؤتمرات وإدانة الأحداث الإرهابية لا ينتج عنه جديد، لأن فرض سياسة التسامح والمحبة يتطلب شجاعة استثنائية من المؤسسات الدينية في البلاد بالاعتراف بالخطأ الذي أدّى إلى ظاهرة التشدد والتطرف ثم بحث سبل تداركه، بإقصاء من تسببوا فيه من رجال دين أو بالدعوة إلى التضييق على شيوخ ودعاة معروف عنهم التطرف، ويتخذون من شعبيتهم ستارا للحماية، مثل السلفيين.

ويصرّ الأزهر على أن التطرف يزداد عبر الفهم الخاطئ للنصوص الدينية، دون أن يتدخل لإصلاح بعض المفاهيم والتفسيرات والتنازل عن التمسك بالتراث الذي لم يعد يصلح لهذا الزمان، ما تسبب في تأخير اتخاذ خطوات ملموسة في مسألة تجديد الخطاب الديني الرامي إلى التسامح والمحبة.

وعندما أقصى الأزهر فئة من الدعاة ورجال الدين عن الظهور في وسائل الإعلام بدعوى أنهم متشددون، واستبدلهم بآخرين عبر قائمة سلمها لوسائل الإعلام، تبين أن بعضا من الذين استقرّ رأيه عليهم ليكونوا دعاة، هم من المتهمين بأنهم يروّجون لخطاب ديني متشدد وعنصري.

ورأى متخصصون في الشؤون الدينية، أن عملية ترسيخ ثقافة التسامح ونبذ الكراهية والعنف في أيّ مجتمع، تبدأ بتوافق المؤسسات الدينية على خطاب واحد، قائم على مبادئ التربية الخلقية والفكرية، يبدأ زرعها في عقول النشء وتكبر معهم وتحميهم من الاستقطاب لخطاب متشدد، بهدف التأكيد على القيم العليا والقواسم المشتركة.

12