يناير 11, 2018

أرقام المشاهدات الكبيرة مقياس وهمي لشعبية الإعلام الرقمي

العدد القليل من المستخدمين المخلصين هو المهم في الاقتصاد الجديد للصحافة والذي يعتمد على المستخدمين بدلا من المعلنين لتحقيق الإيرادات، ما يجعل مهمة وسائل الإعلام الوصول إلى المشتركين المحتملين شخصيا مع رسائل مخصصة لهم، لتعزيز ارتباطهم العاطفي بالمحتوى المقدم.
الصحافة تقوم على ولاء القراء

لندن - أصبحت الأعداد الكبيرة لأرقام مشاهدات الصفحات الاجتماعية ومقاطع الفيديو والمواقع الإلكترونية، مجرّد مقياس وهمي ومضلل، لا تدل مطلقا على تأثيرها الحقيقي أو عدد متابعيها الفعليين المستعدين للدفع مقابل المحتوى، والمساهمة في تحقيق إيرادات لهذه الوسائل.

ويقول جيمس بريينر في مدونته “رواد الأخبار”، إن “هذه الأرقام مضللة ولا معنى لها، ولم يكن لها معنى إلا في الأيام التي كانت فيها وسائل الإعلام تعتمد على الجماهير الضخمة والمنتجات التي تستهدف الجماهير، أي عندما كانت وسائل الإعلام تعتمد على الإعلانات”.

ويضيف بريينر أن “عمل وسائل الإعلام اليوم يتمحور حول الوصول إلى المشتركين المحتملين شخصيا مع رسائل مخصصة لهم. ويتعلق الأمر بتحديد العدد الصغير من الأشخاص الذين هم حقا معجبون بالمنشورات الخاصة أو بمنتجي المحتوى في فريق العمل، إنها تتعلق بتعزيز ارتباط الناس العاطفي بالعلامة التجارية ورسالتها”.

وتبرز تجربة صحيفة واشنطن بوست الأميركية واضحة في هذا المجال، حيث عمل الصحافيون على حملة مكثفة استطاعت تحقيق نتائج جيدة للوصول إلى مليون مشترك يدفع للنسخة الرقمية في واشنطن بوست، علمًا أن المستخدمين الأكثر احتمالا للاشتراك دخلوا إلى الموقع ثلاث مرات في الشهر.

وكانت النسبة المئوية للمشتركين الفعليين من إجمالي الـ90 مليون مستخدم فريد الذين يزورون الموقع ثلاث مرات على الأقل في الشهر، هي 15 في المئة فقط، وفقا لتقرير في مجلة الإيكونوميست التي تناولت حملات الاشتراك الرقمي لمختلف المطبوعات. وتعني هذه النتيجة أن الـ85 في المئة الآخرين من زوار الموقع، يدخلونه من خلال الإحالة لمرة واحدة أو ربما عن طريق الصدفة.

وقد عملت واشنطن بوست على وضع حائط الدفع بعد ثالث زيارة للموقع، مما يعني أن 85 بالمئة من الزائرين لن يصلوا إلى الموقع، واستجاب الـ15 بالمئة الآخرين لطلب الاشتراك بسعر تمهيدي يبلغ 99 سنتا خلال الأسابيع الأربعة الأولى.

ويذكر تقرير الإيكونوميست أنّ عددًا قليلاً من المستخدمين المخلصين هو أكثر أهمية بكثير في الاقتصاد الجديد للصحافة، والذي يعتمد على المستخدمين بدلا من المعلنين لتحقيق الإيرادات.

85 في المئة من زوار المواقع يدخلونها مرة واحدة أو ربما عن طريق الصدفة

ويشكل المشتركون الرقميون البالغ عددهم 2.5 مليون مشترك في صحيفة نيويورك تايمز أقل من 3 بالمئة من إجمالي المشتركين في النسختين الورقية والإلكترونية، ولكنهم يحققون الآن عائدات أكثر من الإعلانات المطبوعة وهو حدث تاريخي.

وكان مارك تومسون رئيس مجلس إدارة المجموعة المالكة للصحيفة قد أعرب سابقا عن أن طموح المجموعة على المدى البعيد هو الوصول إلى 10 ملايين مشترك في خدماتها الإلكترونية، معتبراً أنه هدف “ممكن بالنسبة لنا”.

ويأتي المثال الآخر من إسبانيا حيث يشكل المشتركون البالغ عددهم 22 ألفا، والذين يدفعون 60 يورو في السنة لصحيفة ديدياريو في إسبانيا، ما يقرب من 40 بالمئة من إيراداتها، ولكنه أقل من 1 بالمئة من مجموع مشتركيها الإجمالي في النسختين الورقية والإلكترونية، وفقا للرئيس التنفيذي إغناسيو إسكولار.

وتشير هذه الأرقام إلى أن عددا قليلا من المستخدمين المخلصين قد يعني عائدات ضخمة.

كما أنها تعطي أملا للناشرين الصغار، حيث يعتمد طريق الربحية بالنسبة إلى المنشورات الإخبارية الرقمية الأصغر حجما على تحويل نسبة عالية من جمهورها إلى مجموعة من المستخدمين الأوفياء، المعجبين بمنتجي المحتوى والمساهمين بدلا من المشتركين.

ومنطق الصحافة كخدمة عامة وليس كعمل تجاري يعني أن الناشرين بحاجة إلى وجود أتباع يؤمنون بمهمتهم بدلا من المشتركين الذين يدفعون ثمن الخدمة فقط، إذ يجب أن ينبع الدعم المالي من علاقة عاطفية بدلا من مجرد معاملة اقتصادية.

ويمكن أن يعني ذلك أيضا أنها تستمد الدعم من المؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية، وهي استراتيجية تستخدم بنجاح من قبل مينبوست، وصوت سان دييغو، وتكساس تريبيون، و كالماترز، كما وصفتها مجلة كولومبيا للصحافة. ويتعين على المؤسسات الصحافية التعاون مع المؤسسات الأخرى التي يمكنها تقديم المحتوى أو العمل أو التوزيع لمضاعفة مدى وصولها وتأثيرها، كما تفعل بروبوبليكا مع وكالات الأنباء المحلية، حيث تجلب الوكالة الوطنية الخبرات في مجال الصحافة الاستقصائية وتوسع الوكالات المحلية نطاق عملها.

ويمثل التمويل الجماعي والمصادر الجماعية عناصر رئيسية من ناحية الإيرادات والمحتوى.

ويرى بريينر أن رسم الطريق إلى الأمام لا يزال جاريا، ولكن قصص النجاح هذه يمكن أن تساعد الآخرين في العثور على الطريق.

وهناك سبب آخر للاعتماد على ولاء المستخدمين بدلاً من الأرقام الكبيرة، لتمييز الموقع في ظل فوضى المواقع الإخبارية، ويتمثل في المصداقية ومسألة الثقة. ولا تتحقق النتيجة على المدى القصير، وإنما على المدى الطويل.

وقال إيد ويليامز، المدير التنفيذي لشركة إيدلمان للتواصل والتسويق في المملكة المتحدة وإيرلندا، في تقرير لرويترز، إنّ الأبحاث عن الثقة في بعض المواقع أظهرت أنّه عندما “يصدّق الناس الشركة، يشترون منتجاتها، يدفعون ثمنًا باهظا مقارنةً بمنتجات أخرى، ويوصون أصدقاءهم بها”. وبتعبير آخر إنّ عامل الثقة مهم جدًا بالرغم من كلّ الضجيج على الإنترنت.

18