يناير 12, 2018

الميركاتو الشتوي في تونس.. سوق راكدة ومواهب مفقودة

لم يعد يفصل الأندية التونسية عن موعد غلق سوق الانتقالات الشتوية الخاصة باللاعبين بشكل رسمي سوى بضعة أيام، لكن رغم ذلك فإن هذا “الميركاتو” لم يشهد على امتداد أكثر من ثلاثة أسابيع أيّ صفقات مهمة تذكر، وعكس أغلب المواسم القليلة الماضية فإن الأندية التي تنشط في الدوري التونسي الممتاز وخاصة “الكبرى” منها لم تتحرك كثيرا وغاب نشاطها.
الترجي اختار الاستمرارية ولم ينشط في الميركاتو

تونس - افتتح “الميركاتو” الشتوي في تونس فعليا يوم 19 ديسمبر الماضي على أن ينتهي يوم 15 يناير الحالي، وهي الفترة التي حددها الاتحاد التونسي لإجراء التعاقدات والنشاط محليا وخارجيا، لكن عكس العادة فإن هذه السوق ظلت راكدة إلى اليوم، ولم تنشط سوى بعض الأندية التي حاولت تدارك بعض النقائص خاصة وأن وضعيتها في الترتيب العام ليست جيدة، على غرار صاحب المركز الأخير اتحاد بن قردان وجاره أولمبيك مدنين الذي يحتل بدوره مركزا متأخرا ويصارع من أجل البقاء.

في المقابل حافظت أغلب الأندية الأخرى على هدوئها ولم تدخل بعد بقوة في “السوق” التي شارفت على نهايتها، باستثناء الصفاقسي التونسي الذي يحاول ترميم صفوفه بعد أن كان محروما من الانتدابات لعام كامل.

النجم الساحلي والترجي التونسي على وجه الخصوص لم يتحركا بعد، والأكثر من ذلك أن النجم في هذا الميركاتو فوت في عدد من نجومه ولم يقم إلى حد الآن بتعويض الراحلين عن صفوفه.

فالترجي متصدر الترتيب اكتفى إلى حد الآن بتعاقد وحيد لم يكلفه الكثير من المال بعد أن استعاد لاعبه السابق سامح الدربالي في صفقة انتقال حر، أما النجم الساحلي فقد فرط في بعض لاعبيه المؤثرين على غرار حمدي النقاز الذي وقع رسميا مع الزمالك المصري وكذلك البرازيلي ديوغو أكوستا المنضم إلى نادي دبا الإماراتي في صفقة انتقال حر، وهو يستعد إلى تسريح المدافع المالي عمر كوناتي.

لكن بالمقابل لم ينشط إلى حد الآن في سوق الانتقالات على غير عادته واكتفى بتجديد التجربة مع مدافعه المخضرم عمار الجمل، لينتظر بعد ذلك آخر أيام الميركاتو عله يعثر على صيد وفير.

فريق آخر من “كبار” أندية الرابطة المحترفة الأولى في تونس وهو الأفريقي كانت تحركاته أيضا بطيئة، فبعد التفريط في بعض الركائز مثل أسامة الدراجي والجزائريين مختار بلخيثر وإبراهيم الحنيشي اكتفى هذا الفريق باستعادة لاعبين كبيرين في السن هما زهير الذوادي والتيجاني بلعيد اللذان كانا في حل من كل ارتباط، والفريق الوحيد من بين الرباعي القوي الذي نشط في هذا الميركاتو هو النادي الصفاقسي الذي كان يتعين عليه التحرك وحسم بعض الصفقات بما أنه كان بحاجة ماسة للاعبين جدد بعد أن حرم بقرار من الاتحاد الدولي لكرة القدم من القيام بتعاقدات خلال الميركاتو الشتوي والصيفي الماضيين.

واكتفت بعض الأندية الأخرى بصفقات قليلة ومتواضعة لم تكلفها الكثير من المال على غرار الملعب التونسي ومستقبل قابس ونجم المتلوي، في حين مازالت أندية أخرى بعيدة تماما عن النشاط في هذا الميركاتو ولم تحسم أيّ صفقة وهو ما ينطبق على النادي البنزرتي والشبيبة القيروانية والاتحاد المنستيري والملعب القابسي.

السوق التونسية ستظل راكدة ما دامت طرق التكوين وتطوير مستوى اللاعبين لا تتماشى مع متطلبات الأساليب الحديثة

أزمات مالية خانقة

تعيش أغلب الفرق التونسية على وقع مشاكل وصعوبات مالية كبيرة فتراجع مداخيل بيع التذاكر في المباريات الرسمية بسبب الحد من عدد الأحباء المسموح لهم بالدخول للملاعب وتقلص عائدات الإشهار والتفويت في اللاعبين ساهم بقسط كبير في مرور هذه الأندية بأزمات مالية خانقة.

وباستثناء الترجي التونسي الذي نجح في تحقيق الاستقرار المطلوب إداريا وماليا حيث يواصل رجل الأعمال حمدي المؤدب رئاسة النادي منذ سنة 2007 وتمويله باستمرار، فإن كل الأندية شهدت هزات ولم تعرف الاستقرار، فالنادي الأفريقي عاش في بداية هذا الموسم على وقع عدة مشاكل دفعت برئيسه سليم الرياحي إلى الانسحاب من النادي، أما النجم الساحلي فإن ميزانيته شهدت عجزا كبيرا قدره رئيس النادي رضا شرف الدين بحوالي 45 مليون دينار.

بدوره مازال الصفاقسي يعاني من تبعات العقوبات الكبيرة المسلطة عليه جراء عدم خلاص مستحقات لاعبين ومدربين سابقين. هذا الأمر ينسحب على الأندية الأخرى بما أن مصادر التمويل وتنمية الموارد الذاتية ضعيفة للغاية، كل هذه المعطيات دفعت هذه الأندية إلى اختيار سياسة “التقشف” وأغلبها لم يعد قادرا تبعا لذلك على التحرك في الميركاتو، لتكتفي في أغلب الأحيان بالتعاقد مع لاعبين في حل من كل ارتباط، وفي هذا السياق تحدث رئيس الاتحاد التونسي وديع الجريء حيث أشار في بعض التصريحات إلى أن الاتحاد سيعمل جاهدا على مساعدة هذه الفرق كي تجابه المصاريف اليومية الكبيرة وتلتزم بدفع رواتب المدربين واللاعبين، مضيفا “نأمل أن تتحسن الظروف مستقبلا، وتتوفر عائدات إضافية بعد الترشح إلى المونديال حتى نقدر على دعم الأندية ماليا”.

أغلب الفرق التونسية تعيش على وقع مشاكل وصعوبات مالية كبيرة فتراجع مداخيل بيع التذاكر في المباريات الرسمية بسبب الحد من عدد الأحباء المسموح لهم بالدخول للملاعب

لا وجود لمواهب تغري

من ناحية أخرى، فإن التأهل إلى كأس العالم لا يعكس بشكل واضح الوضع المتردي للكرة التونسية، فخلال العشرية الأخيرة لم تقدر أغلب الأندية على إنجاب لاعبين موهوبين، وبالنظر إلى دول الجوار مثل المغرب والجزائر ومصر التي نجحت في “تصدير” لاعبين من الصف الأول عالميا إلى الأندية الكبرى في أوروبا، مثل المغربي مهدي بن عطية والجزائري رياض محرز والمصري محمد صلاح، فإن الوجود التونسي في الدوريات الأوروبية الكبرى يعتبر محتشما للغاية، وهذا المعطى يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السوق التونسية باتت راكدة ولم تنجح منذ فترة طويلة للغاية في تقديم لاعب بمواصفات عالمية.

هذا الأمر ينطبق أيضا على السوق المحلية، فمستوى اللاعبين التونسيين تراجع كثيرا، وغالبا ما تجد الأندية القوية ماديا صعوبات كبيرة في إيجاد لاعبين شبان موهوبين، لتكتفي في أغلب الأحيان بضم لاعبين أجانب، والدليل على ذلك أن الترجي التونسي مثلا يضم ما لا يقل عن أربعة لاعبين أجانب.

أما الأمر الآخر الذي يدل على “شح” السوق التونسية وعدم قدرتها على تقديم مواهب جديدة فهو انتهاج هذه الفرق سياسة جديدة تعتمد أساسا على ضم لاعبين لهم أصول تونسية لكنهم ترعرعوا وتكونوا في فرق أوروبية، والأمثلة في هذا السياق عديدة للغاية، فالأفريقي تعامل سابقا مع لاعبين تونسيين قدموا من أوروبا على غرار ستيفان ناتر ونادر الغندري، والترجي انتدب لاعبين قدموا من دوريات أوروبية مثل أنيس البدري وأنيس بن حتيرة وأيمن بن محمد.

ومما لا شك فيه أن السوق التونسية ستظل راكدة ما دامت طرق التكوين وتطوير مستوى اللاعبين الشبان بدائية ولا تتماشى مع متطلبات الأساليب التدريبية الحديثة. ربما يتعين على الاتحاد التونسي بشكل خاص استثمار المشاركة المونديالية المرتقبة، فالحصول على عائدات مالية محترمة للغاية قد يجعلها قادرة على دعم الأندية ماديا، لكن الأهم من ذلك هو المساهمة في إيلاء عناية أكبر بتكوين اللاعبين في سن مبكرة من خلال تنظيم ورشات للرسكلة والتكوين، ومنح الأولوية القصوى للعمل القاعدي والاهتمام أكثر ببطولات الفئات السنية. حينها يمكن أن يدب النشاط في الميركاتو التونسي بأكثر قوة ويمكن للكرة التونسية أن تستفيد من بروز نجوم جدد يمكن “تسويقهم” في الدوريات الأوروبية الكبرى.

22