تونس.. يناير "الغضب والنار"

الجمعة 2018/01/12

جزء من الأزمة التي تمر بها تونس حاليا كامن في الأداء والخطاب السياسي للفاعلين الحزبيين من الحكومة والمعارضة، والذين سقطوا في مثلبة المزايدات وتحميل المسؤولية للآخر والتفصي عن الاستحقاقات الوطنية، عوضا عن إيجاد البدائل الحقيقية لمعضلة انسحبت على كافة قطاعات الشعب التونسي.

اختار الفاعلون السياسيون والحزبيون الطريق الأسهل وغير الآمن في التعاطي مع الحراك المشتعل في البلاد، باحثين عن كبش فداء يقدمونه قرابين لمسلسل “الغضب والنار” الزاحف على محافظات البلاد، حيث لم ترتق مستويات التفكير والتأصيل الاستراتيجي إلى سياق استحثاث مصفوفة الحلول للأزمة لتبقى منتكسة في نطاق سؤال من كان وراء التصويت على الفصل 39 من قانون الماليّة؟

وكأن عدم تصويت المعارضة على فصول قانون المالية سيبرّئها من مسؤولية عدم طرح البديل الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما وأنها قوة اقتراح، وفي المقابل أيضا كأن انضمام المعارضة البرلمانية إلى فريق المصادقة على قانون المالية سيبرّئ التحالف الحاكم الذي يحوز على السلطات والصلاحيات والغالبية البرلمانية المريحة من مسؤولية القصور والتقصير في اجتراح الحلول الحقيقية.

المفارقة أن كلا الطرفين يطرحان الإجابة الخطأ عن السؤال الصحيح، فسؤال التنمية المعطّلة والعجز التجاري والبطالة المرتفعة والكفاءات المهجّرة والمقدرة الشرائية المهترئة والعملة الوطنية المنهارة لا يكون بإجابات التشويه السياسي واستخراج فيديوهات التصويت من أرشيف المجلس النيابي، وإنما بخلق الثروة وتطوير المنوال التنموي ودفع المبادرات الخاصة عبر جدولة واضحة لأفق الحلول تقدر على استدرار صبر الغاضبين في تونس وما أكثرهم.

المفارقة أن حالة الاستقطاب والملاسنة والمزايدة، ارتدّت من المشهد السياسي إلى الفضاء الإعلامي بمختلف محامله، حيث باتت البرامج الحوارية مجالا للمناظرة والمناكفة بين الحكومة والمعارضة، بل إن الكثير من القنوات انخرطت بشكل علني وغير مهني صلب إحدى الروايات، وفي الوقت الذي كان الرأي العام ينتظر إنارة على الأوضاع وخلقا لنقاش راق ومسؤول ودورا صحافيا تنويريا، أصبحت المحطات التلفزيونية أذرعا إعلامية طويلة لهذا الطرف السياسي أو ذاك.

منطق الغنائمية من الهبّة الشعبية من كلا الطرفين، إن تواصل، فسيزيد من حدة الغليان الجماهيري، فالشعب المحتقن لن يكون له ترف التفرقة بين معارضة وحكومة طالما أنهما ضمن منظومة الحكم التشاركي.

الغضب الشعبي مرتبط في جزء منه أيضا باجترار ذات المسلكية في الأداء السياسي مع كل هبّة شعبية، فتقريبا لم يختلف خطاب حكومة يوسف الشاهد عن حكومة الحبيب الصيد خلال أحداث يناير 2015 و2016، انطلاقا من “منطق المؤامرة السياسية التي تحف بالحكومة والدولة”، مرورا بـ“التركيز على عمليات الحرق والتخريب”، وليس انتهاء بإعلان قرارات “إطفائيّة” لنار الغضب، وهي المرحلة التي ستأتيها حكومة الشاهد في الأيام القليلة القادمة.

فيما تعتمد المعارضة بدورها، ذات السيناريو الرتيب، فمن إعلان براءة من “إغراق يوسف” ومن قبله الصيد، إلى تركيز على التظاهر السلمي دون عمليات التخريب، إلى تذكير قريب من التشفي بأن القرارات المعتمدة لن تطفئ الحراك الهادر وأن بركان الغضب يعتمل بمؤثرات الداخل والخارج.

ولئن كان على المعارضة أن تقترح بدائل حقيقية قادرة على الإقناع في الشارع ومستعدة لتحويلها من إطار الفاعل الاحتجاجي إلى الفاعل الاجتراحي للحلول، فإنه من واجب السلطة ألا تركن لخطاب المؤامرة ولا للحلول الترقيعية بل عليها تقديم إجراءات ملموسة وسريعة.

فليست الحاجة الملحة اليوم إلغاء قانون المالية، على سيئاته وحسناته، بل المطلوب إرفاد جيب التونسي بما يمكنّه من مقومات الصمود والبقاء، ذلك أن تونس التي اجتباها التونسيون من دستور 2014 هي دولة اجتماعية قبل أن تكون ليبرالية، وتشاركية قبل أن تكون ديمقراطية، ودولة كرامة الإنسان في لقمته وخبزه ترادفا مع كرامته في صوته الحر والمسؤول.

يبدو أن دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى عقد مؤتمر حوار اجتماعي اقتصادي يفضي إلى مخرجات ملموسة تحفظ العقد الاجتماعي الوطني، باتت اليوم خيارا مصيريا، إن تعاضدت بمجموعة من القرارات السريعة لصالح الطبقة الفقيرة.

لن ينقذ تونس من يناير الغضب والنار سوى ثلاثية التشارك في المسؤوليات وتشريك كافة الحساسيات في الخيارات الوطنية الكبرى وتقاسم التضحيات والتنازلات.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8