لا تطلقوا النار على ذلك الماضي

الجمعة 2018/01/12

في مطلع هذه السنة الجديدة جرَتني ذاكرتي إلى أوائل السبعينات من القرن الماضي بقوة، ورحت أستعيد صور الأدباء والشعراء الذين كانوا لنا حينذاك، في الجزائر، بمثابة ينبوع الماء في الصحراء العطشى.

تذكرت قصائد الشاعر التونسي الراحل منور صمادح التي كانت تنشر، إلى جانب قصائدنا، على صفحات جريدة الشعب، وذلك عندما كان يعيش بالجزائر، ويقدم بالإذاعة الجزائرية برنامجا إذاعيا مكتنزا عنوانه “أدب وطرب”، و قصائد الشاعر السوداني الراحل أيضا جيلي عبدالرحمن العائد آنذاك من روسيا ليدرَس بجامعة الجزائر، والشاعر السوري شوقي بغدادي الذي كنا نتحلق حوله ونستمع إليه وهو يقرأ قصائده ويندمج فيها اندماجا ملفتا للنظر بمقر اتحاد الكتاب الجزائريين.

تساءلت مع نفسي بكثير من الألم: لماذا نسي هؤلاء وغيرهم؟ ثم تذكرت عبارة رائعة وردت في مستهل الكتاب الممتع والفريد من نوعه الذي كتبه صديقي الشاعر الراحل رسول حمزاتوف تحت عنوان “داغستان بلدي” “إذا أطلقت نيران مسدَسك على الماضي أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك”.

لا شك أن هذا القول يذكرني بنسيان شعرائنا الأحياء لمن سبقوهم من شعرائنا الذين رحلوا عن هذه الدنيا، ويذكرني هذا أيضا بظاهرة غريبة رصدها المفكر المصري الراحل الدكتور زكي نجيب محمود القائل في كتابه “تجديد الفكر العربي” واختصرها بقوله إن الإنسان العربي مولع بالأشياء، ولكنه ينسى العلاقة بين هذه الأشياء ولا يوليها أدنى اهتمام.

نعم، هناك شعراء مهمون ببلداننا لا يذكرهم نقادنا في هذه السنوات العجاف، ولا يبني على تجاربهم المكتنزة شعراؤنا الأحياء، ولا نجد لنصوصهم مكانا في الكتب المدرسية المقررة في مدارسنا ومعاهدنا، وجراء هذا صرنا نفتقد إلى الحس التاريخي في حياتنا الأدبية والوجدانية والنفسية معا.

في هذا الخصوص تكلم الشاعر والناقد الشهير طومس إليوت مبرزا أن الحس التاريخي يشكل بعدا ضروريا لكل شاعر يريد أن يكون شاعرا بعد سنَ المراهقة، ويعني إليوت بهذا الحس التاريخي، في إطار التجربة الثقافية والأدبية الأوروبية/ الغربية، أشياء كثيرة متبادلة الاعتماد، وخاصة العلاقة بالتراث وفي الوقت نفسه يوضح هذا الأمر قائلا “هذا الحس التاريخي يلزم الأديب ألا يكتب بروح جيله الكامن في أعراقه فحسب، وإنما بشعور هو أن الآداب الأوروبية كلها منذ عهد هوميروس إلى اليوم، وما دخل في تلك الآداب من تراث بلاده جميعا كل هذا موجود وجودا آنيا، وهو يؤلف معا نظاما آنيا”. ففي تقدير إليوت إن هذا الحس التاريخي هو الذي يجعل الشاعر أو الأديب بشكل عام “أدق وعيا لمكانه في الزمان ولصلته بأبناء عصره”.

كاتب جزائري

15