سيراميك لبناني مطبوخ بالنار والخردل

أقامت صالة “أجيال” في العاصمة اللبنانية بيروت معرضا للمهندس المعماري اللبناني يوسف حيدر عرضت من خلاله مجموعة من أعماله الخزفية المشغولة بالسيراميك، وفيه يكون من المستحيل معرفة أن صاحب الأعمال المعروضة هو المهندس المعماري يوسف حيدر الذي تولى مهمة ترميم “بيت بيروت” دون أن يؤثر ذلك على كيفية النظرة إليها.
الجمعة 2018/01/12
رموز وإشارات تجريدية وملونة

بيروت – الكثير من الناس القانطين في بيروت أو الذين رحلوا عنها قد لا يعثرون على “الروعة” التي رآها المهندس/الفنان اللبناني يوسف حيدر في معرضه المقام حاليا بصالة “أجيال” البيروتية، وذلك عبر أعماله الخزفية المشغولة بالسيراميك، فجلهم لم يروا هذا الجمال كما رآه حيدر بعينه الفنية البحتة، خاصة أن منهم من فقد أصدقاء وأقرباء جرى اصطيادهم عبر روائع الفجوة المحفورة في “بيت بيروت” الذي تم ترميمه بالذات من قبل قناصين قد لا يقلون “فنيّة” عنه ولو من أي ناحية من النواحي.

والمهندس/الفنان، هو صاحب القول “المأثور” الذي وصف به بعضا من ملامح مبنى “بيت بيروت”، الذي يعد أحد الشواهد على الحرب اللبنانية، “خط النار الذي تركه القناص برصاصه، خط رائع إذ صنع فجوة تمر من غرفة الجلوس إلى السلم الحجري وصولا إلى الشرفة بما لا يقل عن كيلوميتر واحد”.

المبنى الجديد الذي شيّده المهندس يوسف حيدر ملاصق للمبنى الأصلي صمّمه زجاجيا شفافا، بحيث يمكن رؤية كل شيء من أي مكان، تطبيقا لنظرية القناص القادر على استهداف الآخر بسهولة، ربما منطق هذا المبنى ألهم تقديم عرض مسرحي خلال ليلة الافتتاح للممثل رفيق علي أحمد الذي أطل ملثّما بشخصية قناص سابق مرّ على هذا المكان الواقع على خط تماس سابق، بات كل ذلك خلطة “كيتش” تليق بمشروع سياحي خفيف يفتقر إلى القلب والروح، وهو الفظاعة المضاعفة التي أنتجها اللبنانيون بحق مدينتهم.

إلى ذلك يُذكر أنه هناك جملة من الانتقادات وُجّهت إلى يوسف حيدر حول الأسلوب الذي اعتمده في عملية الترميم، وفي بناء المبنى الجديد وفي اختيار القضاء على الدرج الوسطي، وللمفارقة، من أجل تمكين “التواصل” ما بين المبنى القديم والجديد. ويعتبر هذا الدرج نموذجا استثنائيا من هندسة العشرينات، وهو الممدود في الفراغ في التفاف حول أعمدة المبنى، خيار هو “مجزرة”، وفق المهندسة المعمارية الراحلة زها حديد، كان من الممكن تفاديها.

حيدر استخدم في لوحاته مربعات سيراميك متجانسة لتكوين هيئة شجرة ضخمة تتراءى بين أغصانها عين زرقاء جالبة لسوء الطالع

و”بيت بيروت” باختصار شديد، هو ما كان يُسمى قبل الحرب اللبنانية بـ”البيت الأصفر” نسبة إلى الحجر الأصفر الذي استخدمه في مرحلة بنائه الأولى المهندس المعماري اللبناني يوسف أفندي أفتيموس عام 1924، ثم تم استعمال الحجر الرملي ومن ثم الباطون في المرحلتين اللاحقتين قبل أن يتحوّل اليوم مع استخدام كبير للحديد إلى متحف لذاكرة بيروت ومركز ثقافي للفن الحديث.

وأخذت عملية الترميم، وفق المهندس يوسف حيدر، مسارا مُشابها، فالطابق السفلي اعتمد في بنائه على الحجر الأصفر، وفي الثاني اعتمد الحجر الرملي، أما في سطح المبنى فاعتمد الباطون.

معظم القطع المعروضة هي لصحون سيراميكية مصقولة ومتقاربة الأحجام طبخها المهندس يوسف حيدر، ثم قام “بوشمها” برموز وإشارات تجريدية وملونة تختلف عن بعضها البعض.

وفي المعرض أيضا عدد من اللوحات التي استخدم فيها المهندس مربعات سيراميك متجانسة لتكوين هيئة شجرة ضخمة تتراءى بين أغصانها عين زرقاء جالبة لسوء الطالع، ليست الشجرة بشجرة الحياة لقدر ما تأن بما أثقل كاهلها من تفرعات متداخلة حدّ الاشتباك.

وسيعثر زائر المعرض على اللون الأصفر “الخردلي” وعلى لون الباطون ولون الرمل في كل أعمال الفنان/المهند، وقد يطغى في بعضها اللون الذي يُشبه مسحوق الخردل ويقلّ في بعضها الآخر، ولكن دون أن يختفي.

وبالرغم من أن حيدر طلا الأواني السيراميكية بطبقة شفافة لامعة أعطتها المزيد من الجاذبية، إلاّ أنها لم تخف التفتتات غير المرئية التي أخذت هيئة خطوط متعرجة حينا ومعقودة فمتلاشية حينا آخر، كما أن الرسومات غير المكتملة حينا والتجريدية حينا آخر والإشارات الوامضة التي تذكر كثيرا برسومات المغاور القديمة استطاعت أن تحيل المتفرّج إلى الأعمال الغرافيتية الحقة/الأصلية التي غزت جدران سراديب وأماكن المتقاتلين والقناصين.

ومع ذلك، جمّل المهندس/الفنان أعماله المذكورة، وحوّلها إلى أوان تزخر بألوان جامدة مذاقها كمذاق الخردل اللاذع، متداخلة تخفي أكثر ممّا تتكلم، وبدا هذا واضحا حتى في الأواني التي استخدم فيها حيدر عجينة رملية معدنية وبرّاقة.

وفي سياق مهمة ترميم مبنى ذاكرة بيروت، قال حيدر “منذ البداية تعاملت مع هذا المبنى ككائن حيّ وليس كحجارة، عمره 90 عاما يعني عنده ذاكرة وتاريخ وطبقات وجروح وتجاعيد، لم أشأ أن أجري له أي تجميل، بل سيبقى كما هو”.

وبعكس ما صنعه في مبنى بيروت، لا سيما المبنى الجديد والملاصق له، جاءت صحونه الطائرة مُجمّلة ومرتفعة من أنقاض ما رآه في المبنى قبل الشروع في ترميمه، وقد ساهمت طريقة العرض الذكية التي استثمرت كل أساليب العرض المُمكنة في إخراج تلك الصحون من “شيئيتها” وتاريخها المُباشر المفعم بالمآسي.

وبالرغم من عملية التجميل التي تلقتها هذه الصحون الناجية من أصلها، فثمة بضعة أعمال خرجت من جوف النار التي أرسلها المهندس/الفنان يوسف حيدر إليها ليُسمع منها كلمات كتلك التي كتبها أحد القناصين وتُركت للذكر بعد الترميم على جدران المبنى التاريخي، كلمات تقول “أريد أن أقول الحقيقة: أصبحت روحي قذرة”.

17