يناير 12, 2018

جاذبية التلفزيون تغري مؤسسات صحافية مصرية بتنويع مصادر تمويلها

تحاول مؤسسات صحافية مصرية تنويع مصادر تمويلها، فقررت الاتجاه إلى الإنتاج التلفزيوني، في خطوة أثارت جدلا، بين مؤيد لنجاعة الحل وإمكانية تحقيق أرباح، وآخر يرى أن المحطات التلفزيونية المصرية تعاني هي الأخرى أزمة حادة لم تستطع تجاوزها بعد.
الصحافة المطبوعة ميدان خاسر

القاهرة - تراهن مؤسسات صحافية حكومية في مصر، على دخول مجال الإنتاج التلفزيوني والتحول إلى مؤسسات إعلامية شاملة، تقدم المحتوى السمعي البصري إلى جانب الكلمة المطبوعة، لمواجهة الخسائر المتتالية والاعتماد على إنتاج خاص بها يحقق إيرادات لسد العجز في التمويل الحكومي.

وأعلنت مؤسسة “أخبار اليوم” الحكومية، في استراتيجيتها للتطوير حتى عام 2022، عن تعاونها مع التلفزيون المصري لإطلاق قناة “نايل موفي” للأفلام الأجنبية، التي يفترض أن تشتري أحدث الأفلام العالمية وتعرضها، في محاولة لجذب المعلنين من المحطات العاملة في المجال ذاته.

ولم تكتف ثاني أكبر المؤسسات الصحافية في مصر بمجال الأفلام، بل بدأت التعاون مع شركة “مصر للمقاصة” الحكومية، التي تقوم بتسوية معاملات الأوراق المالية بالبورصة وتمتلك ناديا لكرة القدم، لإطلاق قناة فضائية اقتصادية ورياضية، علاوة على دخول ذراعها الإعلانية (وكالة الأخبار) في مجال إنتاج الأعمال السينمائية والدرامية.

وسبق لمؤسسة الأهرام الصحافية أن أطلقت، راديو عبر الإنترنت وقناة للمنوعات على موقع يوتيوب لتبادل مقاطع الفيديو، بعد تحركات بدأتها قبل سنوات لإنشاء محطة إخبارية بحجز تردد على القمر الصناعي المصري “نايل سات” وقناة أخرى للوثائقيات، لكنها لم تتخذ خطوات عملية حتى الآن.

العشرات من الفضائيات اضطرت إلى التوجه بنشاطها إلى المنوعات وبيع وقت إرسالها لرجال أعمال أو كل من يرغب في الشهرة

ويمتلك عبدالمنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، تجربة سابقة في تحويل المؤسسات الصحافية إلى إعلامية شاملة، وتبنى مشروعا لإنشاء قناة فضائية واتخذ خطوات على أرض الواقع بإعادة إحياء الاستديوهات ووحدات المونتاج التي تمتلكها المؤسسة، وإجراء تعديلات هندسية بها على طابقين حتى تستوعب الفضائية الجديدة.

وقال سعيد، لـ”العرب”، لقد “كنت أسعى لتحويل المؤسسة إلى شركة إعلامية متكاملة، وفكرت في إنشاء قناة فضائية وعقدت اجتماعا مع أبناء المؤسسة العاملين بالفضائيات، البعض منهم رفض وحذر من أنه نشاط خاسر، سيزيد من مشكلات المؤسسة المالية، لكن هناك من دافع عن الفكرة وشجعها”.

ويتسم الإعلام الفضائي بالمنافسة الشديدة في ظل ارتفاع عدد القنوات الفضائية العربية إلى قرابة 1230، بعضها يمتلك تمويلا ضخمًا، إلى جانب عدد من القنوات الأجنبية الكبرى التي تبث باللغة العربية، وفقًا لاتحاد إذاعات الدول العربية.

وأوضح عبدالمنعم سعيد أنه تم الاستقرار على فضائية وثائقية تاريخية تستغل الأرشيف الضخم للمؤسسة الذي يصل إلى نحو 12 مليون صورة نادرة، وتمت عملية ترقيمها، وإعداد ملفات للقضايا التي سيتم تناولها، من بينها ملف عن تاريخ الاغتيالات في مصر، لكن قامت الثورة في يناير 2011 وتوقف الأمر برحيله عن الإدارة.

ولا يزال سعيد، رغم مغادرته مجلس إدارة الأهرام، يدافع عن مشروعه، مؤكدا أن مصر القديمة مادة خصبة للأفلام التسجيلية التي تعرضها القنوات الوثائقية الشهيرة، والتكاليف كانت منخفضة مع امتلاك المؤسسة لجميع مقوماتها الأساسية.

محمد شومان: الخطوة تعيد العجلة إلى الوراء وتسعى للاستثمار في نشاط خاسر

من جهته، شكك محمد شومان عميد كلية الإعلام في الجامعة البريطانية بالقاهرة، في جدوى دخول المؤسسات الصحافية المصرية المتأخر عالم الفضائيات، مشيرا إلى أن القنوات الأقدم وذات الخبرة تعاني أغلبيتها من خسائر فادحة، ويرتبط وجودها في المقام الأول بدوافع سياسية أو تجارية وترويحية لأصاحبها.

ويمكن تصنيف الفضائيات بمصر إلى أربعة أنواع بخلاف الإعلام الحكومي، أولها ممولة من حكومات عربية للدفاع عن سياساتها، والثانية قنوات رجال أعمال للدفاع عن مصالحهم وللترويج لأنشطتهم، والقنوات الدينية وتدعمها مؤسسات لنشر الفكر الديني، وقنوات الرقص والمصارعة والأفلام والأغاني التي لا تمتلك برامج أو استوديوهات وتكاليفها منخفضة للغاية.

وقال شومان، لـ”العرب”، إن “المؤسسات الصحافية الرسمية سوف تواجه مشكلة حال دخولها مجال الفضائيات، فلا يصح أن تقبل دعما خارجيا، ولن تقدم مضامين تخالف رسالتها في خدمة الثقافة والكلمة، والتمويل الحكومي لها متناقص، بالتالي لا يوجد أمامها سوى الإعلانات، التي تعاني تراجعًا بسبب التحولات التي تشهدها المنطقة العربية اقتصاديا وأمنيا”.

وأمام نقص الإعلانات والتمويل، اضطرت العشرات من الفضائيات المتخصصة التي تبث من مدينة الإنتاج الإعلامي إلى التوجه بنشاطها إلى المنوعات وبيع وقت إرسالها لرجال أعمال أو كل من يرغب في الشهرة، رافعة شعار “قدم ما تريده بشرط الحصول على راعٍ ودفع المقابل”.

وأضاف شومان أن المؤسسات الصحافية تعيد العجلة إلى الوراء وتسعي للاستثمار في نشاط غير اقتصادي وخاسر، فالصحف العالمية كلها تتجه إلى منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والإنترنت والإعلام المستقبل، كذراع بديلة عن الإعلام المطبوع والتلفزيوني.

وتسعي المؤسسات الصحافية الحكومية بمصر حاليًا للوصول إلى مرحلة التمويل الذاتي، بعدما شكلت وزارة التخطيط لجنة لإعادة هيكلة تلك المؤسسات ووضع تصور لإنهاء ديونها وإصلاح هياكلها المالية، على خلفية تهديد بعض الجهات الدائنة بفرض الحجز الإداري على ممتلكاتها وأصولها للإيفاء بتلك المديونيات.

ويرى البعض من الخبراء أن الاستثمار الأفضل هو التخلي عن الإصدارات غير الناجحة وتحويلها إلى إلكترونية، وتفعيل القنوات الافتراضية عبر الإنترنت.

18