يناير 13, 2018

ثقافة المقهى البغدادية

يصنّف الباحثون في الشأن الثقافي البغدادي، على أن الثقافة العراقية هي نتاج منفلت عن مدارات المؤسسة السلطوية الرسمية. هذا الرأي يثير الشهية في المباحث المجتمعية والرصد الثقافي، لمراقبة حركة تاريخ الثقافة العراقية من حيث النشأة وصيرورتها ونتائجها وحتى معطياتها المعاصرة.

لم تكتفِ المقهى البغدادية ذات الصبغة الذكورية المطلقة، في تداول الشأن الأدبي فقط على تخوتها، ولم تكن واحة للاسترخاء واللقاءات اليومية للثرثرة، بل كانت واحة تنويرية في قراءة التاريخ أو نقد الظواهر الغيبية أو حتى نقد النص المقدس، أو في الإدانة العلنية لكل عُقد التطرف الديني وتحجر النصوص المغلقة.

يتجلى هذا عندما ظهرت الأفكار الوجودية والعدمية والمدرسة السريالية المثيرة في مقاهي باريس بعد إغلاق باب الحرب العالمية الأولى، حتى وصلت إلى بغداد عبر رسل ووفود وطلائع التبشير للأفكار الجديدة، وسميت حينذاك في مطلع القرن العشرين بـ”الأفكار القردية” نسبة إلى التطور التاريخي لسلالة القرود الشمبانزية والتبشير بالإنسان السوبر، حتى غدت مادة للتندر في المقاهي البغدادية عندما تبناها بحماس منقطع في حينها فريق من الشباب المنفلت من السياق التقليدي (الزهاوي/ الرصافي/ حسين الرحال)، حتى وصل الأمر إلى ملاحقة متبنّيها في تلك المقاهي البغدادية من رجال الدين المحرّضين والسلطة معا وطردهم منها، بعد أن بدأ الشباب في تقبّل تلك الأفكار الغريبة والتعاطي معها.

نستدل من ذلك على ألق الفضاء الحاضن (المقهى) وتطور البيئة المكانية وزمانها في توفير الحاضنة الملائمة بعيدا عن حاضنة السلطة الرسمية، حيث لم تعد قضية شرب فنجان القهوة أو استكان الشاي والخدر على التخوت، قضية مجردة للهو أو تزجية وقت الفراغ أو ضرب المواعيد، بل كانت إلى حد قريب مدرسة فكرية لتداول الرأي وتقبّل الرأي الآخر بروح المعاصرة.

كانت المقهى البغدادية عبر القرن العشرين واحة ثقافية مكانية تعمل على مدار الساعة في تلاقح الأفكار والرؤى وبديلا عن واحة الجامع. إذ كانت المقهى البغدادية في بدايتها منبرا حرا لقراءة الشعر أو نظمه أو تداول بحوره، حتى غدت ندوة مفتوحة على امتداد شارع الرشيد التاريخي من “مقهى حسن عجمي/ مقهى البرازيلي/ مقهى الزهاوي/ مقهى البرلمان والمعقدين”، الشارع الثقافي / التاريخي الذي يقارب بصيرورته قرابة القرن حتى أصبح المتبني الرسمي لنشوء الثقافة الشعرية وتعدد أغراضه من الهجائية والغزل إلى واحة الفكر النقدي، ووجدت الحركات السياسية الطليعية آنذاك من الشعر فرصة تاريخية لتمرير الأيديولوجيا داخل المقهى وإغواء الشباب البغدادي في قصائد الحماسة المتمردة، حتى ظهرت فرقة صعاليك الشعر ورصدهم داخل المقهى البغدادي “حسين مردان / عبدالأمير الحصيري”، وهم الجيل المتمرد شعريا الذي وجد من المقهى فرصة تاريخية لبث هواجس الصعلكة والتمرد.

لكل مقهى شارع، ولكل شارع فضاء، ليس منفصلا عن المقهى في دول المنطقة أو العالم الغربي، فكان شارع الرشيد يقارب بشكله الثقافي شارع الحمرا في بيروت و”مقهى كوستا” تحديدا، ووسط البلد “مقهى الريش وزهرة البستان في وسط القاهرة، ومقهى “هافانا / الروضة” في الشام و”مقهى باريس” في تونس بشارع الحبيب بورقيبة، ومقهى ديماغو / دي فلور في حي سان جرمان في باريس، وهكذا حيث توجد المدن، فثمة شارع طويل حاضن للمقهى الثقافي، تنتعش فيه الرؤى الثقافية خارج المؤسسة الدولتية لطرح الأفكار المتمرّدة على نظام السلطة. بذلك تصبح المقهى الثقافي متمرّدة على روح السلطة التي تحاول غالبا الهيمنة ولكنها تفشل في الاستحواذ.

من الجانب الأخر لقد عانت السلطة المؤسساتية في محاولات عدة لاستمالة رواد المقهى خوفا من بروز ظواهر التمرّد وخروجها من نطاق المقهى إلى الشارع على شكل بؤر تشتغل بالضد من السلطة مهما كان شكل السلطة، فقد عملت طيلة القرن الماضي على بثّ عيونها على روّاد المقاهي مرة، وفي مرة أخرى بعمل المقاهي السلطوية، لكنها فشكل كليا في جلب الزبائن الفاعلين أو المؤثرين لحاضنتها المؤدلجة.

كاتب عراقي

13