طبخة نفاق

السبت 2018/01/13

الاحتجاجات تضرب البلاد يمنة ويسرة بسبب غلاء المعيشة، مسيرات تحمل الخبز شعارا لطرد ساسة، نساء يحاربن العنوسة رافعات لافتات “أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته”، دسائس تطبخ على مهل، الفرق الرياضية العربية المرشحة لمونديال روسيا 2018 تأكل طبخة معتبرة من خلال القرعة، التي قضت على آمال البعض قبل انطلاق صفارات الحكام.

عامة الشعوب العربية تدور في فلك ضيق يبدأ بالمطبخ والطبخ المطلين من شبابيك أصغر فرد، وينتهي بتقسيم طبخة من الغنائم على باب كبيرهم، حتى أن البعض غيّر ديكور الغرفة التي تضم غالبا فرنا وأواني وأجهزة كهربائية وعوضها بطاولة وكراسي، لطبخ الأفكار على نار هادئة وتذوق طعم الأخبار التي تلوك الخلق.

فاحت ريح بعض الطبخات واحترقت وفقدت إلى الأبد نكهاتها، ومع ذلك يستلذها رهط ممن سخروا أنفسهم بكل أمانة لأكلها بنهم، باحثين مع كل لقمة عن الحروف المبعثرة بقلب الصحن، علهم يحصلون على مكونات الأكلة غير عابئين بما كتب على صدر القدر “توابل من نوع خاص صنعت من دموع المظلومين وصرخات الأبرياء ودماء الشهداء لأفواه الخائنين والقائمين القاعدين على كراسي غرست وسط رمال متحركة”.

دخول المطابخ ليس مثل الخروج منها؛ الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فغالبا يحتاج المتسرب إلى المطبخ إلى دروع واقية تحميه ضربات “القلقال” (تلك العصا الغليظة التي يطرح بها العجين) من القيل والقال، وتقيه سهام النظرات الحادة والغمزات والهمزات واللمازات الخفية تحت ستار الابتسامات الصفراء، وإلا غادر المكان مشقوق الجيب أشعث الشعر تملأ الندوب والكدمات روحه.

الطبخ نفس وفن راق لا يرتقي إليه إلا النخبة والصفوة من القوم وما عدا ذلك فهو عبث بأصناف من المأكولات تحت مسميات تبدأ بقطع الطريق على نجاحات الآخرين وتنتهي بالكذب والرياء على عتبات أصحاب اليد العليا.

للأسف جزء من آدَمِية البعض لا تزال مشدودة بحبل سري للمطبخ تستمتع بطبخ إنسانيتها منتشية برائحة الشواء وقانعة بزاوية صغيرة تطل منها على حياة بطعم الموت وقلب بمذاق النفاق وأذنين بنكهة تمزج بقايا الطعام العفنة بخليط من نفايات متروكة دون حراك.

البعض مثله الأعلى “صحة الجسم في قلة الطعام، وصحة النفس في قلة الآثام”، والبعض الآخر لسان حاله يقول “لا يفيد الخراف أن تُمرّر قرارات داعمة للامتناع عن أكل اللحوم إذا ظل الذئب على رأي آخر”.

وعلى رأي الإخوة المصريين “البعض يكرهك بلا سبب والبعض يرحل بلا سبب.. يلا في داهية.. المهم النت شغال والثلاجة فيها أكل”.

24