بلدان المغرب العربي مقبلة على المزيد من التوترات

في ظل أزمة هيكلية حادة ما انفكت تعصف بتونس طيلة السنوات السبع الماضية ومسار ديمقراطي ناشئ ما زال يتحسس السياسات الكفيلة بضمان نجاحه، وأخرى تسللت إلى الجزائر لتنخر اقتصاد البلاد ذات الثروات الطبيعية الضخمة، وحالة من الفوضى الأمنية في ليبيا لم تتوصل بعد حكومة الوفاق إلى إخماد لهيبها، تبدو المنطقة وجهة جذابة أيضا للخلايا الجهادية التي ضاق عليها الخناق في كل من العراق وسوريا وعاد منها المئات إلى بلدانهم ليمثلوا خطرا أمنيا يضاف إلى المخاطر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
السبت 2018/01/13
المواطن المهمش قنبلة موقوتة

تونس - تؤشر الأوضاع في كل من تونس والجزائر وليبيا على أن بلدان المغرب العربي باتت مرشحة للمزيد من التوترات السياسية والاجتماعية تغذيها أزمات اقتصادية حادة تكاد تكون الأولى من نوعها في ظل مخاوف تساور الشعوب من أن تلتقط بعض القوى الإقليمية والدولية الأزمات وحالة الهشاشة العامة لتمرر أجنداتها في المنطقة.

وإذا استثنينا المغرب الذي يعد البلد الوحيد المستقر نظرا لما يمثله النظام الملكي من قوة توازن واستقرار عريقة سياسيا واجتماعيا وثقافيا تعاملت بذكاء مع موجة ما يسمى بالربيع العربي، فإن بقية البلدان غرقت في أزمات داخلية حتى أنها بدت مهزوزة تعصف بها حالة من الفوضى والاستخفاف بتعقيدات الشأن العام.

ويرى دبلوماسيون ومراقبون أن الخيط المشترك بين كل من تونس والجزائر وليبيا يتمثل في غياب أرضية اقتصادية واجتماعية وسياسية متينة تضمن ولو نسبيا الاستقرار، لافتين إلى أن التمايز بين الأوضاع وطبيعة الأنظمة وأدائها يستبطن تقريبا نفس المعضلات والمشكلات وأيضا نفس التحديات في ظل أنظمة ما انفكت تواجه شعوبا ساخطة على سياسات مرتعشة ومرتبكة فشلت إلى حد الآن في تركيز دول قوية.

ويبدو، كما يذهب إلى ذلك عدد من الدبلوماسيين والمراقبين، أن حالة الاهتزاز التي تشهدها أنظمة البلدان الثلاث تعود بالأساس إلى تدني أدائها بشأن توفير حقوق المواطنة وفي مقدمتها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على الرغم من أن بعضها، خاصة الجزائر وليبيا، يمتلك ثروات طبيعية هائلة كفيلة بتوفير التنمية والشغل ومقومات العيش الكريم وحتى الرفاه الاجتماعي.

ويقول دبلوماسي عربي إن “مشكلة بلدان المغرب العربي لا تكمن فقط في الأنظمة الحاكمة وإنما تكمن أيضا في هشاشة الأوضاع العامة سواء سياسيا أو تنمويا أو أمنيا لعدة عوامل”، مشددا على أن “تلك الهشاشة تعدّ أرضية خصبة قد تزجّ بالمنطقة في المزيد من التوترات خاصة إذا تضاربت المصالح”.

ويضيف الدبلوماسي العربي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن “الأزمات التي تمر بها كل من تونس والجزائر وليبيا وما يرافقها من تداعيات على جميع المستويات قد تكون مدخلا آمنا لعدد من القوى الأجنبية لتمرير أجنداتها في المنطقة ليس أقلها تأمين مصالحها الاستراتيجية على حساب شعوب المنطقة”.

احتقان اجتماعي خانق

أزمة أنظمة

لا تخفي غالبية اتجاهات الرأي العام في تونس وليبيا والجزائر توجسها بشأن مستقبل المنطقة يدفعها وعي عميق بأن الأنظمة الحاكمة تستبطن وهنًا حال دون تركيز كيانات دول قوية قادرة على فك تعقيدات الشأن العام الداخلي في مختلف جوانبه وقادرة على رعاية استقلال قرارها السيادي نتيجة ارتهان اقتصادها بشركائها الاستراتيجيين وخاصة بلدان الاتحاد الأوروبي وبالمؤسسات الإقليمية والدولية المانحة وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

ويقول نزار المسعودي، أستاذ علم التنمية في الجامعة التونسية، إن “معضلة البلدان الثلاث تكمن في غياب التنمية وما يرافقها من مقومات العيش الكريم والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وغياب البنية الأساسية، وهي العوامل الرئيسية التي تبقى وقودا للاحتقان الاجتماعي والغضب الشعبي لا تجففه سياسات تقليدية مرتعشة تفتقد الجرأة في مباشرة إصلاحات هيكلية وجذرية”.

ويضيف المسعودي “ومما يعمق المعضلة أن أسواق بلدان الشركاء الاقتصاديين وفي مقدمتها الأسواق الأوروبية تشهد انكماشا لافتا وتقلبات خطيرة ألقت بتداعياتها السلبية على اقتصاد كل من تونس والجزائر وتراجع حجم المبادلات التجارية على الرغم من أنه يبقى يتصدر المرتبة الأولى بنسبة 70 بالمئة لتونس مثلا”.

ويشدد المسعودي على أن “البلدان الثلاثة -وخاصة تونس والجزائر- لم تبادر بالتفاعل مع التقلبات التي تشهدها أسواق الشركاء سواء لجهة إجراء إصلاحات هيكلية ترفع من القدرة التنافسية أو لجهة الانفتاح على أسواق أخرى صاعدة مثل السوق الصينية”، ملاحظا أنه “في حال تواصل الوضع الحالي فإن منطقة المغرب العربي ستدفع الثمن باهظا ليس أقله تعمق تداعيات الأزمة الاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية”.

وتظهر قراءات في تاريخ كل من تونس والجزائر أن الاحتقان الاجتماعي الذي يتغذى من تدني أداء الاقتصاد قاد في عديد المحطات انتفاضات فاجأت نظامي البلدين. ويستحضر هنا أحداث يناير 1978 في تونس والمواجهة الدامية بين المنظمة النقابية من جهة والحكومة من جهة ثانية، وأيضا ما يعرف في تونس بانتفاضة الخبز في يناير 1984 التي اندلعت شرارتها على خلفية الترفيع في أسعار الرغيف ولم تهدأ إلا بعد أن تدخل الرئيس الحبيب بورقيبة وقرر التراجع عن قرار الترفيع.

وعلى الرغم من ثوراتها الطبيعية الهائلة لم تتوصل الجزائر إلى النأي بنفسها عن التوتر الاجتماعي إذ شهدت خلال السنوات الماضية العديد من الاحتجاجات على غلاء المعيشة وغياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في التوزيع العادل للثروات وعائدات الموارد الطبيعية وإن كانت تلك الاحتجاجات أقل حدة مما شهدته تونس.

كثيرا ما قاد الاحتقان الاجتماعي في كل من تونس والجزائر إلى اهتزاز أنظمة الحكم لتستفحل توترات سياسية خطيرة لم تهدد فقط السلم الأهلي وإنما هددت أيضا النظام السياسي وحتى مؤسسات الدولة من خلال إسقاط الحكومة وتركيز حكومة بديلة لامتصاص الغضب الشعبي وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار والأمن.

خبراء أمنيون يرون أن قانون التوبة في الجزائر لئن خفف من حدة مخاطر الجهاديين فإن ملف الظاهرة الجهادية يبقى يلاحق البلاد إذ من الصعب على مقاتلين عقائديين إعادة غسل أدمغتهم على مقاس الدولة

ضعف الثقافة السياسية

تقول سهام السويلمي، أستاذة علم الاستراتيجيات في الجامعة التونسية، إن “الثورات الاجتماعية تقود بالضرورة إلى توترات سياسية لأن الثقافة السياسية التي تتبناها شعوب المنطقة تعتبر أن الدولة هي الراعي الوحيد للشأن العام وهي المسؤول الوحيد عن الفقر والبطالة والتهميش خلافا للثقافة السياسية التي تتبناها شعوب البلدان المتقدمة التي تنبني على مبدأ دعه يعمل دعه يمر”.

وتضيف السويلمي “كانت الدولة في بلدان المغرب العربي تتبنى توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ونجحت إلى حد ما خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي في تأمينها أما اليوم فهي عاجزة لا فقط عن توفير تلك الحقوق إنما أيضا عن توفير موازنتها، بل عاجزة حتى على تغطية النفقات العمومية لتغرق في تداين خارجي خطير قد يهدد سيادتها واستقلالية قرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أيضا”.

وبات الملف الاجتماعي يمثل عبئا ثقيلا على الدولة في ظل عجزها عن تلبية مطالب شعبية ذات سقف عال ما انفكت تأخذ نسقا تصاعديا حتى أنها قادت إلى إضعاف أدائها وإنهاك مؤسساتها وهي اليوم مرشحة إلى المزيد من الإنهاك نتيجة تدني الثقة في تعاطيها مع مشاغل شعوب فتك بها الفقر.

ومما يعزز فرضية المزيد من التوترات ملف الجهاديين العائدين الذي عادة ما تتكتم عليه الأنظمة لحساسيته وتعقيداته الأمنية، إذ يتوقع أن تتحول بلدان المغرب العربي إلى وجهة أولى لجهادييها القادمين من سوريا والعراق ليركزوا خزانا خطيرا لتأجيج السخط الشعبي وتحويله من غضب مسالم إلى ظاهرة عنف لا تطالب فقط بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وإنما تسعى إلى إسقاط ما يسميه الجهاديون “الأنظمة العلمانية الكافرة التي يقودها الطواغيط”، على حد تعبير السويلمي.

ويقول الخبراء الأمنيون إن قانون التوبة في الجزائر لئن خفف من حدة مخاطر الجهاديين فإن ملف الظاهرة الجهادية يبقى يلاحق البلاد إذ من الصعب على مقاتلين عقائديين إعادة غسل أدمغتهم على مقاس الدولة ليندمجوا في المجتمع أو ليشاركوا في النشاط السياسي السلمي المدني.

وعلى الرغم من النجاحات الأمنية التي قادتها تونس في مكافحة الجهاديين فإن خطرهم يبقى قائما لعدة عوامل لعل من أهمها ارتفاع عددهم الذي يقدر بنحو 5000 مقاتل وغياب الاستقرار في الجارة ليبيا حيث ركزوا معسكرات تدريب ليعودوا إلى تونس وينفذوا عمليات وهجمات إرهابية.

وتقول سهام السويلمي إن “تقاطع الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية مع مخاطر الجهاديين في ظل أنظمة مهتزة منهكة مؤشر على أن المنطقة مُقْدِمَةٌ على المزيد من الهشاشة العامة والتشنج والسخط الشعبي الذي عادة ما ينفجر ليفاجئ أنظمة الحكم”.

وتشدد السويلمي على أن “تلك الأنظمة تبدو عاجزة حاليا عن استباق التوترات من خلال معالجة الملفات وتمكين الشعوب من حق المواطنة إما لجهة ضبابية الخيارات والارتهان بالحكم العسكري في ما يتعلق بالجزائر أو لجهة ندرة الثروات وطبيعة الثقافة السياسية بالنسبة لتونس، أما الوضع في ليبيا فهو يبقى رهن تركيز دولة تبسط سيادتها على كامل التراب وتكون قادرة على اجتثاث الظاهرة الجهادية”.

ويعتبر الخبراء في علم الاستراتيجيات والعلوم السياسية أن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية المتوفرة حاليا تظهر أن بلدان المغرب العربي عاجزة عن صناعة تاريخها المستقبلي وهو ما يعني ضمنيا أنها مرشحة للمزيد من التوترات.

7