يناير 14, 2018

ضريبة تطور الحياة مكلفة نفسيا وجسديا

ما أكثر التأثيرات والارتدادات الجانبية للتطوّر العلمي والتكنولوجي على الإنسان عموما وعلى العلاقات الأسرية والاجتماعية. هل هي ضريبة تطوّر مستوى العيش وتطوّر آلياته التقنية المساعدة؟

إنها فعلا مفارقة عجيبة بين التطوّر الكمي والنوعي لحياة الإنسان وبين ما انجرّ عن ذلك من تأثيرات سلبية لعل أبرزها أمراض العصر مثل الضغوط النفسية والانهيار العصبي والكآبة وغيرها من مظاهر التوتر النفسي، وهو ما يحدث خللا نفسيا يرتدّ لا محالة على الحياة الفردية والجماعية في إطارها العائلي والاجتماعي عموما.

وانطلاقا من تجربة خاصة، كثيرا ما كنت أحسّ باختناق وتشنّج وعصبية تنتابني في بعض الأوقات حتى أنني أحاول البحث عن أمر إيجابي أدفع به الأحاسيس الإيجابية إلى الظهور على السطح فلا أجده، وترافقني رغبة في الابتعاد عن الناس وعدم القدرة على إدارة حوارات فاعلة ومثمرة، بل تقود في أغلبها إلى التشنّج العصبي، وهو ما انعكس سلبا على علاقتي بأفراد عائلتي. تتضخّم المشكلة حين أبحث عن الأسباب الحقيقية لهذا التوتر النفسي ولا أجد شيئا مخصوصا، فهي ضغوط فرضتها طبيعة العمل والحياة اليومية بكل تفاصيلها وحيثياتها.

واكتشفت، بواسطة طرح الموضوع مع أفراد عائلتي ومع أصدقائي، أن الضغوط النفسية وانعكاساتها أضحت ظاهرة اجتماعية توسّعت وانتشرت آثارها السلبية حتى لامست جميع شرائح المجتمع دون اعتبار للمراحل العمرية أو المستوى الثقافي أو المادي. فحتى المراهقون وصغار السن في المدارس أصبحت تعتريهم توترات نفسية تساهم في لخبطة حياتهم الدراسية.

لسائل أن يسأل: أليس من المفروض أن الحياة البشرية شهدت تطورا كبيرا ومتسارعا في جميع المجالات، ما يُيسّر هذه الحياة ويجعلها أكثر راحة ومتعة؟ ما سبب الضغوط النفسية، وما سبب تفشي أمراض العصر الجسدية والنفسية؟

إنّ ضريبة التطور التكنولوجي والعلمي مُكلفة جدّا على المستوى النفسي خاصّة. فبقدر ما ساهمت هذه الوسائل في تيسير الحياة؛ وسائل نقل ووسائل اتصال وآلات مساعدة ومواد استهلاكية مختلفة ووسائط تعليمية إلكترونية وغزو للفضاء والبحار.. بقدر ما كانت الآثار الجانبية كارثية.

ويمكن تصنيف الضغوط النفسية بحسب المجالات الكبرى التي يمارس فيها الشخص نشاطاته اليومية المتعددة، إلى ثلاثة أصناف.

أولا: مجال العمل الذي أصبح يتطلب تركيزا كبيرا وحرفية مدروسة ليؤدي العامل في أي مجال من مجالات الإنتاج المادي أو الفكري، دون اعتبار نوع العمل أو طريقة أدائه، مهامه على أكمل وجه، على المستويين الكمي والكيفي، وهو ما يسلّط عليه ضغطا ناتجا عن طبيعة العلاقة الشغلية التي تقوم في الغالب على الاستغلال والاستنزاف للمجهود والقدرة على الأداء وضعف المقابل المادي، وعن آثار الآلة الميكانيكية أو التكنولوجية، وعن طول ساعات العمل، وغيرها.

ثانيا: متطلبات الحياة الأسرية أصبحت كثيرة ولا تعدّ، ما يجعل الساهرين على توفيرها، سواء أكانوا الآباء أم الأمهات، يجاهدون أنفسهم وأوقاتهم وإمكانياتهم المادية ليكونوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وفي حالات تقصيرهم أو عجزهم أو عدم قدرتهم تنتابهم مشاعر الإحباط فتتوتر نفسياتهم ويمرضون جسديا ونفسيا، وهو عبء ينضاف إلى ثقل العمل وضغطه.

ثالثا: سارت العلاقات الاجتماعية في ركب “قاطرة الحياة السريعة” فأضحت “معلّبة” شأنها شأن أغلب المواد الاستهلاكية اليومية، وطغت عليها الحسابات في شكلها العادي أو الانتهازي. قيم الروابط الدمويّة والعائلية والزواج والجيرة والصداقة والمواطنة وعلاقات العمل والزمالة وغيرها، أضحت تمثل ثقلا وضغطا نفسيا على جميع الأطراف المشاركة في اللعبة، لأن كل المعايير والمقاييس التي تؤطّر هذه العلاقات تغيّرت بل انقلبت انقلابا هستيريا، والمبرّر بطبيعة الحال، مواكبة التغير الحاصل على التركيبة النفسية والذهنية للأشخاص وملاءمة التركيبة الجديدة للأسرة والمجتمع. فلا بدّ إذن من تقييس جديد لمنظومة القيم تصبح فيه الانتهازية والأنانية وحب الذات قيما مشرعنة اجتماعيا.

أصبحنا نخاف من عقد أي علاقة بتلقائية وبصدق، وقد أُجبرنا على ذلك جبرا لتخفيف الآثار الناتجة عنها، مجرد التفكير في ذلك يسلط علينا ضغطا فما بالك بالانكسارات والإحباطات التي نلاقيها من ذوينا وأهلنا المقربين، فكم من صديق غدر بنا، وكم من عامل جلبناه لإسداء خدمة ما فغشّنا، وكم من شخص ائتمنّاه على أمر فنكث وعده وخان أمانته.

كل العوامل التي ذكرناها سرّعت في انتشار ما أصبح يسمى بـ”أمراض العصر” التي تصيب الجسد ونذكر منها؛ ارتفاع ضغط الدم، السكري، التهابات المفاصل، التهابات العنق والعمود الفقري، هشاشة العظام، وغيرها كثير. أما الأمراض النفسية فتبدأ بالتوتر النفسي ثم تتطوّر سريعا فتصبح اكتئابا أو انهيارا عصبيا، وإذا لم تعالج هذه الأمراض في الوقت المناسب فقد تقود إلى الجنون.

نلاحظ إذن أن الكمّ الهائل من الضغوط النفسية والجسدية يجعل الإنسان في فضاء من الصعب أن يتصالح فيه مع نفسه ومع أفراد أسرته ومع جيرانه وأصدقائه ومع أطياف المجتمع على اختلافها. إنها بكل بساطة ضريبة ندفها نظير تطوّرنا.

كاتب تونسي

21