تونس قصة نجاح يعكر صفوها الواقع الاقتصادي الصعب

تعيش تونس أوضاعا اقتصادية صعبة انعكست على الأوضاع الاجتماعية، مما أثار موجة جديدة من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة وعدم توفر فرص عمل للعاطلين. وتجد الحكومة نفسها في موقف صعب، فهي مطالبة بتنفيذ برنامج تقشف قد يخفف من أزمتها، لكنها بالمقابل اضطرت لمواجهة احتقان اجتماعي أجّجته إصلاحات بدأت بها.
الأحد 2018/01/14
سيدي بوزيد.. لا فرق بين الأمس واليوم

سيدي بوزيد (تونس) - في مدينة سيدي بوزيد التونسية الفقيرة يقف خريجو جامعات أمام مكتب حكومي ويرددون هتافات ويرفعون لافتات تحمل رسالة للمسؤولين مفادها “وفروا لنا فرص عمل تجنّبا للمشاكل”.

والمشهد جزء من احتجاجات مناهضة للحكومة انتشرت في أرجاء تونس خلال الأيام الماضية. وأثارت الاضطرابات أزمة سياسية جديدة في دولة تعاني بالفعل تحت وطأة إجراءات تقشف يطالب بها مقرضون أجانب.

ونفس المدينة شهدت قبل سبع سنوات اندلاع احتجاجات سرعان ما اجتاحت أنحاء البلاد وأطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في أولى انتفاضات الربيع العربي.

والآن يعود الشبان والشابات الذين قادوا الاحتجاجات في سيدي بوزيد إلى شوارع المدينة، المتربة والمتداعية، يشكون من أنهم لم يجنوا الثمار التي بشرّتهم بها الثورة.

وينظر إلى تونس على أنها قصة نجاح الديمقراطية الوحيدة في انتفاضات الربيع العربي، لكن على أرض الواقع يعيش أغلب الناس حالا أسوأ من ذي قبل.

وألحقت هجمات مميتة نفذها إسلاميون متشددون ضررا شديدا بقطاعي السياحة والاستثمار المهمين للاقتصاد مما أدى إلى انخفاض قيمة العملة بنسبة 60 بالمئة منذ 2011 وصعود التضخم إلى أعلى مستوى في ثلاثة أعوام ونصف العام.

وقال بشير حسين “كنا نأمل بأن تصبح حياتنا أفضل وأن نحصل على وظائف وسكن، لكن كل شيء أصبح أسوأ”.

ويشعر حسين، وهو أحد الخريجين الساخطين، بالحرج لأنه لا يزال يعيش بمنزل أسرته بعد أن أصبح عمره 32 عاما عاجزا عن العثور على وظيفة مناسبة منذ تخرجه قبل عشر سنوات. وهو مصير يشاركه فيه كثيرون في دولة تصل فيها نسبة بطالة الشباب لنحو 30 بالمئة. وقال “لا أستطيع أن أتزوج ولم يعد لدي أمل في تحسن الأوضاع”.

المستثمرون والدبلوماسيون الغربيون قلقون من أن تضغط الاحتجاجات على الحكومة لتخفيف الإصلاحات لضمان السلم الاجتماعي

وكان حسين وأصدقاؤه يحدوهم الأمل في أن تساعدهم ثورة 2011 في العمل بالهيئات العامة. وبلغ إنفاق تونس على مرتبات القطاع العام نحو 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أعلى المستويات على مستوى العالم.

وتراجعت صادرات الفوسفات تأثرا بالاحتجاجات المطالبة بفرص العمل علاوة على تراجع عائدات السياحة، مما دفع تونس للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي ودول غربية.

ويريد المقرضون أن توقف الحكومة إنفاق ما يقرب من ثلثي الميزانية على رواتب القطاع العام وأن تركز على التعليم والبنية التحتية لتوفير فرص عمل على المدى البعيد.

ويقول المحتجون في سيدي بوزيد إن السلطات تعهدت في 2015 بتشغيل نحو 60 خريجا من المدينة، وهي بادرة يقول محللون إنها كثيرا ما تستخدم لتثبيط المعارضة. ولم تتجسد مثل هذه الوعود على أرض الواقع قط مع تجميد التوظيف بفعل سياسة التقشف.

واستجابت الحكومة لضغط النقابات العمالية من أجل عدم تسريح الموظفين، الأمر الذي لا يدع مجالا لتعيين موظفين جدد.

ورفعت الحكومة منذ بداية العام الضرائب والكثير من الأسعار بدءا بالبنزين وانتهاء بمكالمات الهاتف المحمول. وفي حين أن الاحتجاجات أقل مما كانت عليه في 2011، يشعر المستثمرون والدبلوماسيون الغربيون بالقلق من أن تضغط تلك الاحتجاجات على الحكومة لتخفيف الإصلاحات، كما حدث من قبل، لضمان السلم الاجتماعي.

وتقع سيدي بوزيد على بعد 200 كيلومتر فقط من العاصمة تونس على ساحل البحر المتوسط، لكن الرحلة إلى المدينة التي يقطنها 300 ألف نسمة تستغرق أربع ساعات بالسيارة، إذ لا يوجد أي طريق سريعة أو خدمة سكك حديدية.

وقال عطية العثموني، وهو ناشط من أوائل من دعوا إلى الاحتجاج في سيدي بوزيد منذ أواخر 2010، “طالبنا مرارا بالربط بطريق سريعة أو خط سكك حديدية كي يأتي المستثمرون، لكن يقال لنا لا توجد أموال”.

وأضاف “المال موجود لكنه لا يوزع على الناس لأن الفساد لا يزال قائما”، مشيرا إلى الإسكان المتداعي كدليل على “الاستيلاء على أموال الاستثمار في البنية التحتية”.

وينفي المسؤولون الحكوميون هذه الاتهامات ويقولون إن رئيس الوزراء يوسف الشاهد يعطي أولوية لمكافحة الفساد.

وحتى الآن حكم على ثمانية مسؤولين بالسجن لكن البرلمان أصدر عفوا العام الماضي عن شخصيات متهمة بالفساد تنتمي لنظام بن علي، الأمر الذي أثار استياء الكثير من عموم المواطنين. ومع تجميد التعيين في الوظائف العامة سعى البعض للعمل في المزارع.

واعتادت أسر كثيرة تدبير معيشتها من عائدات الأقارب العاملين في ليبيا المجاورة الغنية بالنفط إلى أن أطيح بمعمر القذافي في 2011. لكن ليبيا سقطت في حالة من الفوضى المزمنة.

وغادر أغلب التونسيين ليبيا، لكن مع ارتفاع تضخم أسعار اللحوم وغيرها من السلع بنسبة تزيد على 10 بالمئة عاد البعض رغم خطر العنف.

وقال مهران العلوي (24 عاما)، وهو يجلس مع صديق بمقهى في سيدي بوزيد، “جئت للتو من ليبيا وربما أعود في غضون أسبوعين”.

وأضاف أنه يعمل في متجر على الطريق الساحلي في مدينة الزاوية بغرب ليبيا حيث كثيرا ما يحدث تبادل لإطلاق النار بين الفصائل المسلحة. وقال “هناك مخاطر في ليبيا، لكن في تونس لا يمكنني العثور على عمل والأسعار عالية جدا”.

وأفاد العثموني بأن الآلاف من الشبان غادروا سيدي بوزيد منذ 2011 سعيا للعمل في الخارج وعادة ما يحاولون السفر بالقوارب إلى أوروبا في هجرة غير شرعية أو ينضمون إلى تنظيم داعش في ليبيا أو العراق أو سوريا. وأضاف “عندما يتملكّك اليأس تفعل أي شيء”.

2