الدفء أقصى الأمنيات

الأحد 2018/01/14

من نافذة الطائرة، في ارتفاعها المنخفض، بدت الثلوج أكواما كالعهن المنفوش. تذكرت إحدى أشهر الأقاصيص الخرافية، التي ابتدعتها مخيّلة أديب دانماركي في القرن التاسع عشر، عن طفلة كانت تبيع الكبريت، في عهود الإقصاء والفاقة وأحلام الخلاص. يرى واحدنا في الأقصوصة، كيف تشتعل الأمنيات ثم تنطفئ، ليخسر الواهمون ويألمون.

ففي ليلة حزينة لم تلق الطفلة من يشتري بضاعتها. فقدت حذاءها، وكان الغطاء انحسر عن رأسها أصلا، فيما نُثار الثلج في هطول. آوت إلى موضع بين منـزلين، تستشعر الدفء من خيوط ضوء، تنبعث من نوافذ بيوت الآخرين الهانئين. لاذت إلى أعواد ثقابها. فهذه هي كلّما تمتلك. أشعلت واحدا وتعمدت أن تداري ناره براحتي يديها. أحست بدفء لا يجلبه عود الثقاب.

وما أن انطفأ العود الأول حتى أشعلت التالي وصولا إلى الثقاب الأخير. مع كل اشتعال مؤنس، تتبدى الصور والتمنيات في عيون الصغيرة، وكأنها تراها تحققت في الواقع. مدت ساقيها بجوار موقد نار حديدي كبير لتدفّئهما؛ سرعان ما اختفى مع تلاشي الثقاب. يظهر في السياق الديك الرومي المحمّر الشهي، الشائع حضوره في تلك الأمسيات.

ثم شجرة ميلاد متلألئة بشفاعة عود آخر، تختفي مع انطفاء شعلته الصغيرة. وكلما استحالت خلجة التمني، أكذوبة أو لقطة خداع؛ كانت بائعة الكبريت تحاول الإضاءة توخيا للدفء دون أن تيأس.

ومع الثقاب الأخير، ظهرت جدتها الرهيفة الرحيمة. تخيلتها واقفة وسط الأنوار مستبشرة هانئة. عندئذ يستبد الخوف بالطفلة إذ ربما تختفي الجدة مثلما تلاشت كل الأحلام، فتسارع الصغيرة إلى إشعال عود الثقاب تلو الآخر، وهي تصيح “خذيني معك يا جدتي” وليس من جدة تُلبي، حتى تنفد الأعواد.

في موضع بين منزلين، شوهدت الطفلة في الصباح ميتة ومتجمدة، ارتسمت على شفتيها بسمة صغيرة، إما ساخرة وإما ساذجة. الذين رأوها على هذا النحو، من المارّين في غير اكتراث؛ علقوا قائلين: ماتت الصغيرة في المساء الأخير، ولم تكن تطمح إلى ما هو أكثر من الدفء.

يا لهذا الصقيع اللئيم. ركام سميك، من نُثار الثلج، يجثم على العقول وعلى المصائر. بائعة الكبريت، في استسلامها للهطول، اختارت الوهم بديلا عن التفكير العقلاني. أغوتها الصور الزائفة والبهاء المفترض، فانصرفت عن بعض الدفء الحقيقي والتواضع الجميل، تماما مثلما انتهت سائر الأحلام المضيئة في بلاد بلا ثلوج إلى ظلام مقيم. اتكأت الصغيرة على الوميض القصير، مثلما يتكئ الواهم بالوجاهة والعنفوان على مجد سخيف ليس له تعليل.

24