"مشروع عدن".. مطاردات بوليسية من أجل سلالة بشرية نادرة

تتنوّع المعالجات الدرامية في سينما الخيال العلمي، لكنها تلتقي في محور المستقبليات، من خلالها يتكوّن شكل فيلمي للمستقبل والحياة والمجتمعات وفي كل منجز في هذا المجال ثمة دوافع لاكتشاف واقع جديد افتراضي، ولعل الإشكالية التي تبرز هنا تتعلق في ميزة التشابه التي تطبع الكثير من تلك الأفلام، في الثيمة والمعالجة والشخصيات.
الاثنين 2018/01/15
الكل تحت المراقبة

في المستقبليات التي ترصدها سينما الخيال العلمي هناك ما يعرف بالحكومة العالمية التي ستتحكّم بمصائر المجتمعات كاملة، بعد سلسلة من الصراعات والخراب التي تضرب العالم.

وفي فيلم "مشروع عدن" للمخرجين الأستراليين تيرانس أم يونغ وآشلي جونسن (إنتاج 2017)، هناك تكريس لوجود تلك الحكومة العالمية من خلال أذرعها الضاربة والقمعية التي ليس عندها مهمة أقدس من القضاء على الخصوم.

هنا تجد إيفلين (الممثلة إيميلي فريدينبيرغ) نفسها ملاحقة بجرم لم تقترفه، بل هي ضحية بعد أن تم انتزاع وليدها منها وإبعاده عنها، بحجة أنه يحتاج إلى عناية خاصة بسبب إصابته بشلل كلي منذ الولادة، لتكتشف في ما بعد أن الحكومة تجري أبحاثا على البشر بما فيهم الأطفال، وأن ذلك الطفل، ليس إلاّ إحدى العينات.

تنظم لإيفلين ضحية أخرى، هي المسمى إيثان (الممثل بيتر كرستيان هانسن) الذي يدّعي أن ابنته الطفلة قد خسرها في نفس تلك التجارب التي تشرف عليها أجهزة سرية.

وتلاحق أجهزة الـ”أف بي أي” إيفلين وإيثان في مطاردة قطع الأنفاس بين أماكن متعدّدة، فيسقط خلال المطاردة العديد من الضحايا لينتهي الأمر بوصول إيفلين إلى جماعة معزولة يقودها رجل كهل، ليظهر في ما بعد أن الطفل وأمه ينتميان إلى سلالة بشرية نادرة، وهما آخر الأحياء فيها، ولهذا تجرى التجارب على الابن.

على صعيد السرد الفيلمي هناك إشكالية تتعلّق بهذا الفيلم، فالمطاردة التي يقودها الضابط الشرس ديفيد روث (الممثل مايك دوبود) ملاحقا إيفلين وإيثان تستغرق أغلب مساحة الزمن الفيلمي، من دون أن يظهر دليل أو محرك للأحداث حول جدوى وهدف تلك المطاردة، ليتم حشر النهايات والذروة الدرامية في نصف الساعة الأخير من الفيلم.

الأجواء البوليسية والمطاردات عمقت الدراما الفيلمية، وكانت بمثابة خطين سرديين متوازيين ما بين الخيال العلمي والحركة

وهذا النوع من المعالجة لم يتح كثيرا فرصة الأخذ بفرضية نظرية المؤامرة التي تحرّك الأحداث، ولا ملامح تلك الحكومة العالمية المجهولة التي تتحكّم في مصائر البشر، لكن في نفس الوقت هناك عيون تلك الحكومة وأجهزة أمنها مبثوثة في كل مكان لتقتفي آثار الناس، ومن ثمة كان من السهل وصول الضابط ديفيد إلى مكان اختباء إيفلين وإيثان.

من جهة أخرى بدا ذلك الدور الذي أدّاه إيثان أمرا ملتبسا وهو يشكل عنصرا أساسيا في الدراما الفيلمية وقيادة الصراع، فهو قد تحوّل فجأة لتنفيذ مطالب ضابط الـ”أف بي أي” بما في ذلك القتل، ولكنه يتمرّد مرة أخرى ويصيب الضابط برصاصة في القدم من دون أن يجهز عليه، مع علمه أنه سيقتصّ من الجميع ما دام حيا.

وعلى صعيد الشخصيات، يلفت النظر أداء إيفلين المميز، فهي أم مفجوعة بموت زوجها واختطاف ابنها وعلى هذه الخلفية أدت دورها بمهارة وإتقان، ولم تكن تصدر عنها حركة غير محسوبة، فضلا عن استبطانها العميق لمشاعر مأساوية كانت تظهرها بتقشف، ولكن بعمق شديد.

ويلفت النظر أيضا أداء الضابط ديفيد، فقد أدى دور الشرير ببراعة، وصار ندا شرسا لإيثان ولجميع من لا يطيعون أوامره، ولهذا راح يتنقّل مقتفيا آثار خصومه في كل أرض بغية الوصول إليهم.

حفل فيلم “مشروع عدن” بمهارات في التصوير وتنوّع غزير في اللقطات وزوايا الكاميرا واستخدام اللقطات العامة من أعلى، خاصة للمناظر الطبيعية بما فيها من جبال وغابات، وما عمّق ذلك وزاده جمالية هو التنوّع المكاني الذي أتاح مستوى مميّزا في التصوير، ومثال ذلك مثلا، مشهد ملاحقة إيفلين وإيثان من قبل المهربين الروس في وسط الحقول المجدبة، وكذلك مشاهد المطاردة في وسط الغابات ما بين إيفلين وإيثان من جهة وضابط “الـ”أف بي أي” من جهة أخرى.

ولعل مشاهد الحركة والأجواء البوليسية والمطاردات هي التي عمّقت الدراما وزادت من العناصر الجمالية للفيلم، وبذلك كانت بمثابة خطين سرديين متوازيين ما بين الخيال العلمي والحركة والمطاردات.

ومن جهة أخرى، وخلال رحلة الوصول إلى الهدف، حيث يتم احتجاز الضحايا بمن فيهم طفل إيفلين، كان هناك تنوّع آخر في الشخصيات التي يؤدي كل منها دوره باختصار شديد لتليه شخصية أخرى، وهو حل في الدراما الفيلمية منحت المشاهد متعة في متابعة تلك الشخصيات.

أما على صعيد ما يُعرف بعنصر المعرفة والمعلومات في السرد الفيلمي، تم طمس بعض المعلومات عن المشاهد، مثل خاصية ذلك الطفل وأمه، ولماذا هو مختلف عن سائر البشر، وما هي الجدوى من تلك التجارب التي تجرى عليه وعلى أمثاله من الأطفال؟ أضف إلى ذلك أن المعلومة عن السلالة المجهولة بقيت هامشية، ولم تحتل سوى بضعة مشاهد قصيرة في القسم الأخير من الفيلم، ممّا يقلّل من درجة الإقناع لدى المشاهد.

16