"الكنز".. ينتشل السينما المصرية من الإسفاف

ليس صحيحا أن ذائقة جمهور السينما في مصر انحدرت إلى الحدّ الذي يجعل تقديم عمل جاد مغامرة مصيرها المحتوم الفشل، فسيطرة موجة الإسفاف على المشهد السينمائي منذ سنوات لها أسباب كثيرة متشابكة، فنية وإدارية وإنتاجية، فضلا عن عدم توافر البديل الراقي الذي يملك القدرة على اجتذاب الجمهور بعناصر سينمائية متطوّرة وشيّقة ومضمون خلاق هادف ومبهر ومبهج في الآن ذاته.
الثلاثاء 2018/01/16
العلم هو الكنز الحقيقي

القاهرة – لا تزال السينما قادرة على أن تكون الساحرة الأولى وسط الفنون، فمن خلال شاشتها المضيئة وسط قاعة مظلمة يمكن للمشاهد أن ينطلق وراء خيالاته محلقا في فضاءات لا نهائية من المتعة والتفكير، مقلًّا صفحات التاريخ، معايشا ملوكا وأمراء وحكاما وسلاطين من عصور مختلفة، ومنخرطا أيضا مع البسطاء والعاديين والمطحونين من عامة الشعب في آلامهم وآمالهم وأحلامهم المنثورة على الأرض الطيبة.

تجربة جريئة

ثلاث ساعات، هي مدة الجزء الأول من التجربة السينمائية الجريئة “الكنز”، للسيناريست عبدالرحيم كمال، والمخرج شريف عرفة، كانت كفيلة للإعلان عن محاولة جادة حقيقية للإبحار ضد التيار، والتغريد خارج السرب، أملا في انتشال السينما المصرية من الإسفاف، وتحقيق المعادلة الصعبة بالجمع بين القيمة الفنية والإقبال الجماهيري، تحت مظلة إنتاجية ثرية داعمة وفرّها المنتج وليد صبري.

مما يُحسب لفيلم “الكنز”، رهانه على البطولة الجماعية للنجوم: محمد سعد، محمد رمضان، أحمد رزق، محيي إسماعيل، عبدالعزيز مخيون، الشحات مبروك، سوسن بدر، هند صبري، روبي، أمينة خليل وغيرهم من الأبطال الذين سمح السيناريو المحكم الزاخم بإعادة اكتشافهم في أدوار تُبرز قدراتهم التمثيلية الحقيقية، وفق توظيف المخرج شريف عرفة.

وانتهز المخرج الفرصة لكي يطلق نجوم الشبّاك من بروايزهم النمطية، فمحمد رمضان على سبيل المثال هو الفارس الأسطوري “علي الزيبق” بطل السير الشعبية في العهد المملوكي، وليس هو “عبده موتة” بالتنويعات المكرورة للشخصية، ومحمد سعد هو “اللواء بشر” رئيس القلم السياسي قبل ثورة يوليو 1952، وليس هو “اللمبي” الهزلي باستنساخاته الفجة البالية.

ومرتكز نجاح الفيلم، كما لا يخفى على أحد منذ الدقائق الأولى، هو “السيناريو” المركّب والمربك، إذ تدور أحداث العمل التاريخية الفانتازية في أزمنة متعدّدة منذ الفراعنة حتى العصر الحديث، لكنها أيضا تتّسع لإسقاطات اجتماعية وسياسية كثيرة.

تلك الإحالات الترميزية تجعل الفيلم، على الجانب الآخر، فيلما واقعيّا، يتفاعل مع الحاضر، طارحا رؤيته الخاصة إزاء أحوال البشر في الوقت الحالي وقضاياهم ومشكلاتهم الراهنة، أملا في إيجاد حلول لها، تستفيد من حكمة التاريخ، وأقاويل التراث، وفلسفة الأساطير.

أحداث العمل المركب تدور في أزمنة متعددة منذ الفراعنة حتى العصر الحديث، وتتسع لإسقاطات سياسية

أربعة أزمنة

أربعة أزمنة يدور فيها الفيلم، واحد مركزي، وثلاثة متحرّكة، المركزي هو زمن الراوي الشاب “حسن بشر” (الفنان أحمد حاتم)، إذ تتقاطع وتلتقي عنده الأزمنة الثلاثة التي تدور فيها جملة الأحداث، وينتمي حسن بشر إلى عصرنا الراهن.

ومن خلال قراءة حسن بشر للكتب والمخطوطات القديمة بهدف التعرف على أصله وحكاية أبيه وجذوره وماضيه القريب والبعيد وتاريخ جدوده، يتبيّن أنّ العلم هو الكنز الحقيقي، ويتحرّك السيناريو وكاميرا المخرج في الأزمنة الثلاثة الأخرى المنتمية كلها إلى الماضي، والتي تشترك كلّها أيضا في محور تدور حوله الأحداث هو وجود “كنز” ما، مادي أو معنوي، يجري التفتيش عنه.

كما تشترك أحداث الأزمنة كلّها في وقوع ظلم سلطوي ما على فئات من جموع الشعب، ونهوض مناضلين بأعباء الدعوة إلى المقاومة والتحرّر ونصرة المقهورين وتحقيق العدالة، إضافة إلى “حلم مثالي” يشرق في الأفق، أو “يوتيوبيا” تنتظر التحقّق.

والزمن الأول، تدور أحداثه في عهد الفراعنة، حيث الملكة حتشبسوت (1508-1457 قبل الميلاد)، أشهر ملكات مصر وأقواهنّ نفوذا، وزواجها من أخيها غير الشقيق “تحتمس الثاني”، فيما بقيت مقاليد الحكم الحقيقية بيد حتشبسوت (هند صبري) نظرا لضعف شخصية زوجها، الذي مات مبكرا بعدما أنجب ابنه “تحتمس الثالث” من إحدى محظيات البلاط الملكي.

في ذلك العصر، يصوّر سيناريو الفيلم على نحو رمزي كيف أن العشق هو الكنز الحقيقي في الحياة، وقد دفع العشق الملكة ذات الصبغة الإلهية إلى التعلّق ببشري من عامة الناس، هو المهندس “سننموت”، الذي ذهب الفيلم إلى ما رواه بعض المؤرخين بشأن وجود علاقة عشق سرية بينه وبين حتشبسوت، التي منحته 80 لقبا، وبنى لها معبدها الشهير في الدير البحري بمدينة الأقصر في جنوب مصر.

ودار حلم المهندس سننموت حول بناء معبد للخلود، وليس للفرعون، يصل السماء بالأرض، ويعيد الكرامة لأبناء الشعب، إيمانا منه بأن سطوة الفراعين إنما هي مجرّد أسطورة مصنوعة، يمكن التخلّص منها بالأفكار والآراء والأفعال الجديدة.

ويأتي الزمن الثاني المتحرّك بإسقاطات ورموز شبيهة على عصرنا الراهن، وأحلام مستحيلة، وهذا الزمن هو العصر المملوكي (شريعة الغاب)، حيث السيرة الشعبية الشهيرة لعلي الزيبق (محمد رمضان)، وقصة عشقه لزينب (روبي) ابنة صلاح الكلبي قاتل أبيه، وعودته إلى مصر بصحبة فاطمة أمه (سوسن بدر).

وفي بلده الأقصر، يفتش البطل الشعبي علي الزيبق عن “الكنز” المخبوء في بيت المساخيط (التماثيل) بالأرض الطيبة، ويضطلع بدور عظيم في توحيد الشطّار بالحيلة والذكاء من أجل الانتقام من قتلة أبيه “راس الغول”، ودرء الظلم والمفاسد والانتهاكات التي يقوم بها رجال السلطة وجلبة الضرائب في البلاد، والانتصار للمقهورين والمطحونين وتحقيق حلم العدالة بين الجميع.

محمد سعد يعيد اكتشاف نفسه في "الكنز"

أما الزمن الثالث المتحرّك، فهو ما قبل ثورة يوليو 1952، حيث الاحتلال الإنكليزي وفساد النظام الحاكم وأتباعه، وعلى رأسهم جهاز القلم السياسي برئاسة اللواء بشر (محمد سعد)، الذي لا يتوانى عن سجن أخيه مصطفى عقابا له على إدمانه.

إسقاطات هذه المرحلة على العصر الراهن هي الأكثر وضوحا، لقرب المدى الزمني، وتشابه المُسميّات الحكومية والسياسية، ويتجلى ذلك على سبيل المثال في ما يبرزه الفيلم من إجهاض السلطة محاولات المدّ الثوري في البلاد والأفكار الإصلاحية وتشكيلات المعارضة اليمينية واليسارية بأيد من فولاذ لا تكفّ عن البطش والقتل والاعتقال وتلفيق التهم.

على أن الجوهر الإنساني لبشر، أو كنزه الداخلي، يتبدّى من خلال علاقة حب سرية تجمعه بالمطربة ذات الأصول الشامية نعمات رزق (الفنانة أمينة خليل)، ولا يتّضح في الفيلم إن كان تزوّجها أم لا، مثلما أن علاقة حتشبسوت والمهندس سننموت تظلّ يشوبها الغموض.

ويبقى حلم “الإنسانية” يداعب اللواء بشر، مثلما ظل يداعب سليلة الآلهة حتشبسوت الحلم بأن تكون إنسانة، تعشق بشريا، ويبادلها العشق حتى النهاية.

وفي النهاية، تبقى رحلة الشاب حسن بشر في البحث عن ذاته وتاريخه وحضارة جدوده، من خلال قراءته مكتبة أبيه، بمثابة إحالة للمُشاهد إلى مصريّته الأصيلة التي يدفعه صنّاع العمل إلى التشبّث بها، كما أن هذه الرحلة في الوقت نفسه تبدو خطوة ليست هينة للسينما على مسارها التقدّمي الصحيح، بالرغم من بعض الهنّات الصغيرة في الفيلم كإطالة بعض المشاهد أكثر ممّا ينبغي وإقحام بعض الأغنيات والاستعراضات دون داع، وما نحو ذلك من أمور لا تنتقص من قيمة العمل ككل.

16