محللون سياسيون لا يكادون يلتقطون أنفاسهم

الثلاثاء 2018/01/16

تدور عجلة الأخبار دورتها، ويمضي الصحافيون نهارهم وليلهم في تقصّي تلك الأخبار وملاحقة المستجدات وبموازاة ذلك سيتساءل المتلقي “وماذا بعد ذلك؟”.

هذا السؤال الإشكالي يحيل إلى ما بعد الخبر، نوع من الولوج الحتمي في النتائج والمتغيرات التي من المتوقع أن تولد في غضون ساعات أو أيام.

هذه المعادلة البسيطة تستوجب في بعض الأحيان حاجة المنصة الإعلامية وخاصة الفضائيات إلى من يسندها ويساعدها في رؤية ذلك المستقبل القريب، وما الذي سيحمله -سياسيا- من متغيرات.

المشاهد الصامت والجالس أمام التلفزيون يريد أن يعرف وماذا بعد هذه القرارات أو تلك الأحداث أو تلك المواقف أو الإجراءات ربما لكي يتحسب للغد أو ربما لكي يكتشف ما هو خاف عنه ومجهول لديه.

هذه المعطيات كلها تستوجب في بعض الأحيان الاستعانة بـ”أولي العِلم” من المختصين في العلوم العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو غيرها.

هم أولئك (الخبراء) الذين يطلون على الفضائيات ليضيئوا ما هو خاف وغير مكتمل الصورة أو لاستقراء المستقبل.

المستقبليون في كل زمان ومكان هم قلّة قليلة ومهمتهم في استباق المستقبل لا تخلو من صعوبة.

هنا يتلبس المحلل والخبير وظيفة المستقبلي سواء بإرادته هو أو بإرادة الفضائية التي تستضيفه.

لا شك أن كثرة الفضائيات العربية أوجدت هذه الظاهرة حتى صارت استضافة هؤلاء الخبراء لزوم ما يلزم وصارت الفضائيات تتسابق في جلب ضيوفها وخبرائها الخاصّين حتى لا يكاد أحدهم يلتقط أنفاسه، لأنه مطالب بأن يقول ما يملى عليه.

الضيف عنده مهمة مسبقة غالبا وهي أن يتناغم مع توجّه الفضائية وجلّ ما يشغله ويحتل مساحة واسعة من وعيه هو الحذر من الخروج على خط الفضائية ومسارها التحريري.

تتحول الظاهرة في بعض الفضائيات إلى زبائنية دائمة فالضيوف أنفسهم يتكررون لأنهم حفظوا الدرس في التناغم مع الفضائية والإشادة برأيها وموقفها السياسي وتعزيزه.

هنا سوف يبحث المشاهد نفسه عن تلك الرؤية المستقبلية والتحليل المعمق الذي ينشده، الضيف الذي يوصف بأنه خبير وكاتب ومحلل يظهر في بعض الحالات غير مستعد ولم يبحث في الموضوع المثار ولم يقرأ عنه بل ربما يكون قد سمع عنه وهو في الطريق إلى الفضائية.

هذه الإشكالية غير المهنية تحرّف وظيفة المحلل والمتنبئ المستقبلي عن مهمته التي يريدها الجمهور العريض.

ما يلفت النظر أن السياسيين ومن يتحدثون في السياسة ومن يستطيعون التحليل هم كثر في الشارع العربي ولهذا سيشعر الجمهور العريض بالأسى وهو يشاهد ضيفا فضائيا يتلعثم ثم يستطرد ثم يتحدث عن معلومات بديهية يتم تداول ما هو أكثر منها على الرصيف وفي المقهى.

من هنا صرنا نبحث عن مساحة الرؤية المستقبلية المفقودة التي يتطلع إليها المشاهد، وأن يتم تعريفه بما لا يعلم أو على الأقل لفت نظره إلى معلومات جديدة إضافية بذل المحلل السياسي وغير السياسي مجهودا حقيقيا في الوصول إليها.

تشعر في بعض الأحيان أن الضيف على الفضائية إنما حلّ لغرض أن يسد الفراغ البرامجي أو اقتفاء أثر ما هو نمطي في العمل التلفزيوني على وجوب جلب الضيف بأي حال من الأحوال وبصرف النظر عن الجدوى واللاجدوى.

لعل مقاربتنا هذه الغاية منها إشارة إلى الظاهرة مع وجود حالات إيجابية تتناسب مع مهمة المحلل ذي الرؤية المستقبلية مع تلمّس جهد حقيقي بذله الضيف في استقراء الظاهرة وتوصيفها مع أقل قدر من الانحياز وقدر كبير من الوضوح والموضوعية والمهنية.

كاتب عراقي

18